تاما إما في النوم أو في اليقظة ، وتكون عندها أبدا حاضرة تحضرها المتخيلة حضورا
يكون لها كالمرآة ينظر فيها دائما ، ولا يقوى الكاهن على الكمالة في إدراك
المعقولات ، لأن ما يوحى إليه من الشياطين .
وأرفع أحوال الكهان من يستعين بالكلام المسجوع الموزون ، ليشتغل به عن
الحواس ، ويقوى على ذلك الاتصال الناقص ، فيهجس في قلبه عن تلك الحركة ،
والذي يشيعها من ذلك الأجنبي ما يقذفه على لسانه ، فربما صدق ووافق الحق ،
وربما كذب ، لأنه يتمم نقصه بأمر أجنبي عن ذاته المدركة ، ومباين لها غير ملائم ،
فيعرض له الصدق والكذب جميعا ، ويكون غير موثوق به جميعا ، وربما فزع إلى
الظنون والتخمينات ، حرصا منه على الظفر بالإدراك ، وتمويها على السائلين له .
وأصحاب السجع أخف من سائر المعينات من المرئيات والمسموعات ، فإن
خفة المعين تدل على قرب ذلك الاتصال والإدراك ، كما أن البعد فيه عجز ما ، وإذا
تقرر ذلك فنقول : قال الله جل جلاله : ( قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن
فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا * وأنه
تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا * وأنه كان يقول سفيهنا على الله
شططا * وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا * وأنه كان رجال من
الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا * وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث
الله أحدا * وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا * وأنا كنا نقعد
منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا * وأنا لا ندري أشر أريد
بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا ) ( 1 )
[ ومعنى ] هذه الآيات : قل يا محمد لأمتك : أوحى الله إلي على لسان
جبريل ، أنه استمع إلي نفر من الجن - والنفر : الرهط كالحليل ما بين ثلاثة إلى
عشرة - فقالوا : إنا سمعنا قرآنا عجبا ، أي في فصاحته ، وقيل عجبا في بلاغة
مواعظه ، وقيل : عجبا في عظيم بركته ، وقيل : قرآنا عزيزا لا يوجد مثله ، يهدي
هامش
( 1 ) الجن : 1 - 10 .