تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إمتاع الأسماع — صفحة 401

مساهمون:

ص٤٠١
قليل ) ( 1 ) ، فمن آمن معطوف على المفعول بالحمل وهم أهل ، والاثنان من كل زوجين ، واحتجوا بحديث واثلة المتقدم ، وتخصيص واثلة بذلك أقرب من تعميم الأمة به ، وكأنه ( صلى الله عليه وسلم ) جعل واثلة في حكم الأهل تشبيها بمن يستحق هذا الاسم . والصواب : أن الأتقياء من أمته ( صلى الله عليه وسلم ) هم أولياؤه ، فمن كان منهم من أقاربه فهو من أوليائه لا من آله ، فقد يكون الرجل من آله وأوليائه كأهل بيته والمؤمنين به من أقاربه ولا يكون لا من آله ولا من أوليائه كمن لم يؤمن به ، وقد يكون من أوليائه وإن لم يكن من آله ، كخلفائه في أمته ، الداعين إلى سنته ، الذابين عنه ، الناصرين لدينه ، وإن لم يكن من أقاربه . وقد ثبت أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : إن آل - أبي فلان - ليسوا لي بأولياء ، إن أوليائي المتقون كانوا ومن كانوا ( 2 ) ، فالمتقون هم أولياء رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأولياؤه
هامش
( 1 ) هود : 40 . ( 2 ) أخرجه البخاري في كتاب الأدب ، باب ( 14 ) تبل الرحم ببلالها ، حديث رقم ( 5990 ) ولفظه : حدثني عمرو بن عباس ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس ابن أبي حازم ، أن عمرو بن العاص قال : سمعت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) جهارا غير سر - يقول : إن آل أبي - قال عمرو في كتاب محمد بن جعفر : بياض - ليسوا بأوليائي ، إنما ولي الله وصالح المؤمنين . زاد عنبسة ابن عبد الواحد عن بيان ، عن قيس ، عن عمرو بن العاص قال : سمعت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : ولكن لهم رحم أبلها ببلالها ، يعني أصلها بصلتها . قوله : " سمعت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) جهارا " ، يحتمل أن يتعلق بالمفعول ، أي كان المسموع في حالة الجهر ، ويحتمل أن يتعلق بالفاعل ، أي أقول ذلك جهارا . وقوله : غير سر تأكيد لذلك لدفع توهم أنه جهر به مرة ، وأخفاه أخرى ، والمراد أنه لم يقل ذلك خفية ، بل جهر به وأشاعه . قوله : " إن آل أبي " ، كذا للأكثر ، يحذف ما يضاف إلى أداة الكنية ، وأثبته المستملي في روايته لكن كنى عنه فقال : " آل أبي فلان " ، وكذا هو في روايتي مسلم والإسماعيلي ، وذكر القرطبي أنه وقع في أصل مسلم موضع " فلان " بياض ، ثم كتب بعض الناس فيه " فلان " على سبيل الإصلاح ، وفلان كناية عن اسم علم ، ولهذا وقع لبعض رواته " إن آل أبي يعني فلان " ، ولبعضهم " إن آل أبي فلان " بالجزم . قوله : " بياض " : قال عبد الحق في كتاب ( الجمع بين الصحيحين ) : إن الصواب في ضبط هذه الكلمة بالرفع ، أي وقع في كتاب محمد بن جعفر موضع أبيض يعني بغير كتابة ، وفهم منه بعضهم أنه الاسم المكنى عنه في الرواية ، فقرأه بالجر على أنه في كتاب محمد بن جعفر إن آل أبي ، بياض . وهو فهم سئ ممن فهمه ، لأنه لا يعرف في العرب قبيلة يقال لها آل أبي بياض ، فضلا عن قريش . وسياق الحديث مشعر بأنهم من قبيلة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وهي قريش ، بل فيه إشعار بأنهم أخص من ذلك ، لقوله : " إن لهم رحما " وأبعد من حمله على بني بياضه ، وهم بطن من الأنصار ، لما فيه من التغير أو الرحم على رأي ، ولا يناسب السياق أيضا ، وقال ابن التين : حذفت التسمية لئلا يتؤذى بذلك المسلمون من أبنائهم . وقال النووي : هذه الكناية من بعض الرواة ، خشي أن يصرح بالاسم ، فيترتب عليه مفسدة ، إما في حق نفسه ، وإما في حق غيره ، وإما معا . وقال القاضي عياض : إن المكنى عنه هنا هو الحكم بن أبي العاص . وقال ابن دقيق العيد : كذا وقع مبهما في السياق ، وحمله بعضهم على بني أمية ، ولا يستقيم مع قوله : آل أبي ، فلو كان بني لأمكن ، ولا يصح تقدير آل أبي العاص ، لأنهم أخص من بني أمية ، والعام لا يفسر بالخاص . قلت : لعل مراد القائل أنه أطلق العام وأراد الخاص ، وقد وقع في رواية وهب بن حفص التي أشرت إليها " إن آل بني " لكن وهب لا يعتمد عليه . وجزم الدمياطي في حواشيه بأنها آل أبي العاص ابن أمية ، ثم قال ابن دقيق العيد : إنه رأى في كلام ابن العربي في هذا شيئا يراجع منه . قلت : قال أبو بكر بن العربي في ( سراج المريدين ) : كان في أصل حدث عمرو بن العاص " إن آل أبي طالب " ، فغير " آل أبي فلان " ، كذا جزم به ، وتعقبه بعض الناس وبالغ في التشنيع ، ونسبه إلى التحامل على آل أبي طالب . قوله : " ليسوا بأوليائي " كذا للأكثر - وفي نسخة من رواية أبي ذر " بأولياء " فنقل ابن التبين عن الداودي أن المراد بهذا النفي من لم يسلم منهم ، فهو من إطلاق الكل وإرادة البعض ، والمنفي على هذا المجموع لا الجميع . وقال الخطابي : الولاية المنفية ولاية القرب والاختصاص لا ولاية الدين ، ورجح ابن التين الأول ، وهو الراجح ، فإن من جملة آل أبي طالب : عليا ، وجعفرا ، أو هما أخص الناس بالنبي ( صلى الله عليه وسلم ) لما لهما من السابقة والقدم في الإسلام ، ونصر الدين . وقد استشكل بعض الناس صحة هذا الحديث - لما نسب إلى بعض راويه من النصب ، وهو الانحراف عن علي رضي الله عنه وآل بيته . قلت : أما قيس بن أبي حازم ، فقال يعقوب بن شيبة : تكلم أصحابنا في قيس ، فمنهم من رفع قدره وعظمه ، وجعل الحديث عنه من أصح الأسانيد ، حتى قال ابن معين : هو أوثق من الزهري . ومنهم من حمل عليه وقال : له أحاديث مناكير ، وأجاب من أطراه بأنها غرائب ، وإفراده لا يقدح فيه . ومنهم من حمل عليه في مذهبه وقال : كان يحمل على علي ، ولذلك تجنب الرواية عنه كثير من قدماء الكوفيين . وأجاب من أطراه بأنه كان يقدم عثمان على علي . قلت : والمعتمد عليه أنه ثقة ، ثبت ، مقبول الرواية ، وهو من كبار التابعين ، سمع من أبي بكر الصديق فمن دونه ، وقد روى عنه حديث الباب إسماعيل بن خالد ، وبيان بن بشر ، وهما كوفيان ، ولم ينسبا إلى النصب . لكن الراوي عن بيان ، وهو عنبسة بن عبد الواحد ، أموي قد نسب إلى شئ من النصب ، وأما عمرو بن العاص وإن كان بينه وبين علي ما كان فحاشاه أن يتهم ، وللحديث محل صحيح لا يستلزم نقصا في مؤمني أبي طالب ، وهو أن المراد بالنفي المجموع كما تقدم ، ويحتمل أن يكون المراد بآل أبي طالب أبو طالب نفسه ، وهو إطلاق سائغ كقوله في أبي موسى : " إنه أوتي مزمارا من مزامير آل داود ، وقوله ( صلى الله عليه وسلم ) : " آل أبي أوفى " ، وخصه بالذكر مبالغة في الانتفاء ممن لم يسلم ، لكونه عمه ، وشقيق أبيه ، وكان القيم بأمره ، ونصره ، وحمايته ، ومع ذلك فلما لم يتابع على دينه انتفى من موالاته . قوله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إنما ولي الله وصالح المؤمنين " ، كذا للأكثر بالإفراد وإرادة الجملة ، وهو اسم جنس - ووقع في رواية البرقاني : " وصالحو المؤمنين بصيغة الجمع وقد أجاز بعض المفسرين أن الآية التي في التحريم كانت في الأصل : " فإن الله هو مولاه وجبريل [ وصالحو ] المؤمنين ) لكن حذفت الواو من الخط على وفق النطق ، وهو مثل قوله تعالى : ( سندع الزبانية ) وقوله تعالى : ( يوم يدع الداع ) ، وقوله تعالى : ( ويمح الله الباطل ) . وقال النووي : معنى الحديث أن وليي من كان صالحا وإن بعد مني نسبه ، وليس وليي من كان غير صالح وإن قرب مني نسبه . وقال القرطبي : فائدة الحديث انقطاع الولاية في الدين بين المسلم والكافر ، ولو كان قريبا حميما . وقال ابن بطال : أوجب في هذا الحديث الولاية بالدين ، ونفاها عن أهل رحمه إن لم يكونوا من أهل دينه ، فدل ذلك على أن النسب يحتاج إلى الولاية التي يقع بها الموارثة بين المتناسبين ، وأن الأقارب إذا لم يكونوا على دين واحد ، لم يكن بينهم توارث ولا ولاية . قال : ويستفاد من هذا أن الرحم المأمور بصلتها ، والمتوعد على قطعها ، هي التي شرع لها ذلك فأما من أمر بقطعه من أجل الدين فيستثنى من ذلك ولا يلحق بالوعيد من قطعه ، لأنه قطع من أمر الله بقطعه لكن لو وصلوا بما يباح من أمر الدنيا لكان فضلا ، كما دعا ( صلى الله عليه وسلم ) لقريش بعد أن كانوا كذبوه فدعا لهم . قلت : ويتعقب كلامه في موضعين : أحدهما : يشاركه فيه كلام غيره ، وهو قصره النفي على من ليس على الدين ، وظاهر الحديث أن من كان غير صالح في أعمال الدين دخل في النفي أيضا لتقييده الولاية بقوله : ( وصالح المؤمنين ) . والثاني : أن صلة الرحم الكافر ، ينبغي تقيدها بما إذا أيس منه رجوعا عن الكفر ، أو رجى أن يخرج من صلبه مسلم كما في الصورة التي استدل بها ، وهي دعاء النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لقريش بالخصب ، وعلل بنحو ذلك ، فيحتاج من يترخص في صلة رحمه الكافر أن يقصد إلى شئ من ذلك وأما من كان على الدين ولكنه مقصر في الأعمال مثلا فلا يشارك الكافر في ذلك . وقد وقع في ( شرح المشكاة ) : المعنى أني لا أوالي أحدا بالقرابة ، وإنما أحب الله تعالى لما له من الحق الواجب على العباد ، وأحب صالح المؤمنين لوجه الله تعالى ، وأوالي من أوالي بالإيمان والصلاح - سواء كان من ذوي رحم أو لا ، ولكني أرعى لذوي الرحم حقهم لصلة الرحم . وقد اختلف أهل التأويل في المراد بقوله تعالى : ( وصالح المؤمنين ) على أقوال : أحدها : الأنبياء ، أخرجه الطبري - وابن أبي حاتم عن قتادة ، وذكره ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري ، وأخرجه النقاش عن العلاء بن زياد . الثاني : الصحابة ، أخرجه ابن أبي حاتم عن السدي ، ونحوه في تفسير الكلبي ، قال : هم أبو بكر ، وعمر وعثمان وعلي ، وأشباههم ممن ليس بمنافق . الثالث : خيار المؤمنين ، أخرجه ابن أبي حاتم عن الضحاك . الرابع : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، أخرجه ابن أبي حاتم عن الحسن البصري . الخامس : أبو بكر ، وعمر ، أخرجه الطبري وابن مردويه ، عن ابن مسعود مرفوعا ، وسنده ضعيف . وأخرجه الطبري وابن أبي حاتم عن الضحاك أيضا ، وكذا هو في تفسير عبد الغني بن سعيد الثقفي أحد الضعفاء بسنده عن ابن عباس موقوفا ، وأخرجه ابن مردويه من وجه آخر ضعيف عنه كذلك . قال ابن أبي حاتم : وروى عن عكرمة ، وسعيد بن جبير ، وعبد الله بن بريدة ، ومقاتل ابن حبان كذلك . السادس : أبو بكر خاصة ، ذكره القرطبي عن المسيب بن شريك . السابع : عمر خاصة ، أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن سعيد بن جبير ، وأخرجه الطبري بسند ضعيف عن مجاهد ، وأخرجه ابن مردويه بسند واه جدا عن ابن عباس . الثامن : علي ، أخرجه ابن أبي حاتم بسند منقطع عن علي نفسه مرفوعا ، وأخرجه الطبري بسند ضعيف عن مجاهد ، قال : هو علي . وأخرجه ابن مردويه بسندين ضعيفين من حديث أسماء بنت عميس مرفوعا قالت : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : صالح المؤمنين علي بن أبي طالب . ومن طريق أبي مالك عن ابن عباس مثله موقوفا ، وفي سنده راو ضعيف . وذكره النقاش عن ابن عباس ، ومحمد بن علي الباقر ، وابن جعفر بن محمد الصادق ، قلت : فإن ثبت هذا ، ففيه دفع توهم من توهم أن في الحديث المرفوع نقصا من قدر علي رضي الله عنه ، ويكون المنفي أبا طالب ومن مات من آله كافرا ، والمثبت من كان منهم مؤمنا ، وخص علي بالذكر لكونه رأسهم ، وأشير بلفظ الحديث إلى لفظ الآية المذكورة ، ونص فيها على علي تنويها بقدره ، ودفعا لظن من يتوهم عليه في الحديث المذكور غضاضة ، ولو تفطن من كنى عن أبي طالب لذلك لاستغنى عما صنع . قوله : " وزاد عنبسة بن عبد الواحد " ، أي ابن أمية بن عبد الله بن سعيد بن العاص بن أبي أحيحة بمهملتين مصغرا ، وهو سعيد بن العاص بن أمية ، وهو موثوق عندهم ، وما له في البخاري سوى هذا الموضوع المعلق ، وقد وصله البخاري في كتاب البر والصلة فقال : حدثنا محمد بن عبد الواحد بن عنبسة ، حدثنا جدي . . . فذكره ، وأخرجه الإسماعيلي من رواية نهد بن سليمان عن محمد بن عبد الواحد المذكور ، وساقه بلفظ : سمعت عمرو بن العاص يقول : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ينادي جهرا غير سر : إن بني فلان ليسوا بأوليائي ، وإنما ولي الله والذين آمنوا ، ولكن لهم رحم . . . الحديث وقد قدمت رواية الفضل ، وإنما الفضل ابن الموفق عن عنبسة من عند أبي نعيم ، وأنها أخص من هذا . قوله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ولكن لها رحم أبلها ببلالها ، يعني أصلها بصلتها " ، كذا لهم ، لكن سقط التفسير من رواية النسفي ، ووقع عند أبي ذر بعده " أبلها ببلالها " وبعده في الأصل : كذا وقع ، وببلالها أجود وأصح . قال الخطابي وغيره : بللت الرحم بلا وبللا وبلالا ، أي نديتها بالصلة ، وقد أطلقوا على الإعطاء الندى ، وقالوا في البخيل : ما تندى كفه بخير ، فشبهت قطيعة الرحم بالحرارة ، ووصلها بالماء الذي يطفئ ببرده الحرارة ، ومنه الحديث : بلوا أرحامكم ولو بالسلام . وقال الطيبي وغيره : شبه الرحم بالأرض التي إذا وقع عليها الماء وسقاها حتى إذا سقيها أزهرت ورؤيت فيها النضارة ، فأثمرت المحبة والصفاء ، وإذا تركت بغير سقي يبست وبطلت منفعتها ، فلا تثمر إلا البغضاء والجفاء ، ومنه قولهم سنة جماد لا مطر فيها ، وناقة جماد أي لا لبن فيها . وجوز الخطابي أن يكون معنى قوله : أبلها بلالها ، في الآخرة ، أي أشفع لها يوم القيامة ، وتعقبه الداودي بأن سياق الحديث يؤذن بأن المراد ما يصلهم به في الدنيا ، ويؤيده ما أخرجه مسلم من طريق موسى بن طلحة عن أبي هريرة قال : لما نزلت ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) دعا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قريشا فاجتمعوا ، فعم وخص - إلى أن قال - : يا فاطمة أنقذي نفسك من النار ، فإني لا أملك لكم من الله شيئا ، غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها ، وأصله عند البخاري بدون هذه الزيادة . وقال الطيبي : في قوله : " ببلالها " مبالغة بديعة ، وهي مثل قوله تعالى : ( إذا زلزلت الأرض زلزالها ) أي زلزالها الشديد الذي لا شئ فوقه ، فالمعنى : أبلها بما اشتهر وشاع ، بحيث لا أترك منه شيئا . ( فتح الباري ) : 10 / 513 - 518 مختصرا . وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان ، باب ( 93 ) موالاة المؤمنين ومقاطعة غيرهم والبراء منهم ، حديث رقم ( 215 ) .