وقال أحمد بن جبير : حدثنا حجاج بن محمد ، قلت لحمزة ، قرأت على
الأعمش ؟ قال : لا ، ولكني سألته عن هذه الحروف حرفا حرفا . وقال أبو عبيد
القاسم بن سلام : حدثني عدة من أهل العلم ، عن حمزة أنه قرأ على حمران ، وكانت
هذه الحروف التي يرويها حمزة عن الأعمش ، إنما أخذها [ من ] ( 1 ) الأعمش
أخذا ، ولم يبلغنا أنه قرأ عليه القرآن من أول النهار إلى آخره . وقال يوسف بن
موسى : قلت لجرير بن عبد الحميد : كيف أخذتم هذه الحروف عن الأعمش ؟
قال : كان إذا جاء شهر رمضان ، جاء أبو حيان التميمي ، وحمزة الزيات ، مع كل
واحد منهما مصحف ، فيمسكان على الأعمش ، ويقرأ فيسمعون قراءته ، فأخذنا
الحروف من قراءته . توفي حمزة آخر سنة ست وخمسين ومائة على الصحيح ، فرأى
أعرابي كثرة الناس على جنازته فقال : ما رأيت أرفع لخسيس من عمل صالح .
وأما علي بن حمزة بن عبد الله بن مهران بن فيروز الكسائي ( 2 ) ، أبو الحسن
الأسدي مولاهم ، أحد الأعلام ، فإنه قرأ القرآن وجوده على حمزة الزيات ، وعيسى
ابن عمر الهمذاني ، وقرأ على محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، واختار لنفسه قراءة ،
ورحل إلى البصرة ، وأخذ العربية عن الخليل بن أحمد ، وأخذ الحروف أيضا عن
أبي بكر بن عياش وغيره ، وقرأ عليه أبو عمرو الدوري ، وأبو الحرث الليثي ، ونصير
ابن يوسف الرازي ، وقتيبة بن مهران الأصبهاني ، وأبو عبيدة القاسم بن سلام ،
وخلائق ، وانتهت إليه الإمامة في القراءة والعربية ، وكان يتخير القراءات ، وأخذ
من قراءة حمزة وترك . ومات في سنة تسع وثمانين ومائة .
فهؤلاء الأئمة القراء السبعة ( 3 ) ، هم الذين اشتهرت بالآفاق قراءتهم ، واعتمد
هامش
( 1 ) زيادة للسياق .
( 2 ) له ترجمة في : ( التاريخ الكبير ) : 6 / 268 ، ( التاريخ الصغير ) : 2 / 247 ، ( المعارف ) : 545 ،
( الجر والتعديل ) : 6 / 182 ، ( تاريخ بغداد ) : 11 / 403 ، ( وفيات الأعيان ) : 3 /
3995 ، ( مرآة الجنان ) : 1 / 421 ، ( تهذيب التهذيب ) : 7 / 275 ( شذرات الذهب ) : 1 /
321 ، ( سراج القارئ المبتدي ) : 12 ، ( معجم مصنفي الكتب العربية ) : 345 ، ( سير أعلام
النبلاء ) : 9 / 131 - 134 ، ترجمة رقم ( 44 ) .
( 3 ) جمعهم الإمام العالم أبو محمد قاسم بن فيرة بن أبي القاسم ، خلف بن أحمد الرعيني الشاطبي ، في
قصيدته اللامية المنظومة من الضرب الثاني من بحر الطويل ، المسماة ( حرز الأماني ووجه التهاني ) ،
المشهورة ( بمتن الشاطبية ) ، وهي أسهل ما يتوصل به إلى علم
القراءات من التصانيف والمنظومات ، وعدة أبياتها كما يقول ناظمها :
وقد وفق الله الكريم بمنه * لإكمالها حسناء ميمونة الجلا
وأبياتها ألف تزيد ثلاثة * ومع مائة سبعين زهرا وكملا
يقول رحمه الله عن القراء السبعة :
جزى الله بالخيرات عنا أئمة * لنا نقلوا القرآن عذبا وسلسلا
فمنهم بدور سبعة قد توسطت * سماء العلا والعدل زهرا وكملا
لها شهب عنها استنارت فنورت * سواد الدجى حتى تفرق وانجلى
وسوف تراهم واحدا بعد واحد * مع اثنين من أصحابه متمثلا
تخيرهم نقادهم كل بارع * وليس على قرآنه متأكلا
فأما الكريم السر في الطيب نافع * فذاك الذي اختار المدينة منزلا
وقالون عيسى ثم عثمان ورشهم * بصحبته المجد الرفيع تأثلا
ومكة عبد الله فيها مقامه * هو ابن كثير كاثر القوم معتلا
وروى أحمد البزي له ومحمد * على سند وهو الملقب قنبلا
وأما الإمام المازني صريحهم * أبو عمرو البصري فوالده العلا
أفاض على يحيي اليزيدي سيبه * فأصبح بالعذب الفرات معللا
أبو عمر الدوري وصالحهم أبو * شعيب هو السوسي عنه تقبلا
وأما دمشق الشام دار ابن عامر * فتلك بعبد الله طابت محللا
هشام وعبد الله وهو انتسابه * لذكوان بالإسناد عنه تنقلا
وبالكوفة الغراء منهم ثلاثة * أذاعوا فقد ضاعت شذا وقرنفلا
فأما أبو بكر وعاصم اسمه * فشعبة راويه المبرز أفضلا
وذاك ابن عياش أبو بكر الرضا * وحفص وبالإتقان كان مفضلا
وحمزة ما أزكاه من متورع * إماما صبورا للقرآن مرتلا
روى خلف عنه وخلاد الذي * رواه سليم متقنا ومحصلا
وأما علي فالكسائي نعته * لما كان في الإحرام فيه تسربلا
روى ليثهم عنه أبو الحارث الرضا * وحفص هو الدوري وفي الذكر قد خلا
أبو عمرهم واليحصبي ابن عامر * صريح وباقيهم أحاط به الولا
لهم طرق يهدي بها كل طارق * ولا طارق يخشى بها متمحلا
ومتن الشاطبية هذا وله شروح كثيرة ، أحسنها الشرح المعروف باسم ( سراج القارئ المبتدئ ، وتذكار المقرئ المنتهي )
للإمام أبي القاسم علي بن عثمان بن محمد بن أحمد بن الحسن ، القاصح ، العذري ، البغدادي ، من علماء القرن الثامن الهجري ،
وقد أشرف على طبعه ومراجعته فضيلة الشيخ علي محمد الضباع شيخ المقارئ المصرية الأسبق .