وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر : ولا خلاف بين أهل العلم وجماعة أهل
السير أن الصلاة إنما فرضت على النبي صلى الله عليه وسلم بمكة في حين الإسراء حين عرج به
إلى السماء ، ولكنهم اختلفوا في هيئتها حين فرضت ، فروي عن عائشة رضي الله
عنها أنها فرضت ركعتين ركعتين ، ثم زيدت في صلاة الحضر ، فأكملت أربعا ،
وأقرت صلاة السفر على ركعتين ، وبذلك قال الشعبي وميمون بن مهران ومحمد
ابن إسحاق .
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنها فرضت أربعا وفي السفر ركعتين ،
وقال نافع بن جبير : أنا فرضت في أول ما فرضت أربعا إلا المغرب ، فإنها فرضت
ثلاثا ، والصحيح ركعتين ، وكذلك قال الحسن البصري وهو قول ابن جريج .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث القشيري وغيره ما يوافق ذلك ، ولم
يختلفوا في أن جبريل عليه السلام هبط صبيحة ليلة الزوال عند الإسراء ، فعلم النبي
صلى الله عليه وسلم الصلاة ومواقيتها وهيئتها .
وقال إسحاق الحربي : أول ما فرضت الصلاة بمكة ، ركعتان في أول النهار
وركعتان في آخره ، وذكر حديث عائشة قالت : فرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة
ركعتين ركعتين ثم زاد فيها في الحضر ، هكذا حدث ابن الحربي عن أحمد بن الحجاج
عن ابن المبارك عن ابن عجلان عن صالح بن كيسان عن عروة عن عائشة قالت :
فرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة ركعتين ركعتين . الحديث ، وليس في حديث
عائشة هذا دليل على صحة ما ذهب إليه من قال : أن الصلاة فرضت ركعتين في
أول النهار وركعتين في آخره ، وليس يوجد هذا في أثر صحيح ، بل في حديث
عائشة دليل على أن الصلاة التي فرضت ركعتين ركعتين في الصلوات الخمس ثم
زيد في صلاة الحضر ، وأقرت صلاة السفر ، لأن الإشارة بالألف واللام إلى الصلاة
في حديث عائشة هذا هي إشارة إلى الصلاة المعهودة ، وهذا هو الظاهر المعروف
في الكلام ، وقد أجمع العلماء أن الصلوات الخمس إنما فرضت في الإسراء ، والظاهر
من حديث عائشة أنها أرادت تلك الصلاة ، والله أعلم .
إمتاع الأسماع — صفحة 55
مساهمون: المقريزي
ص٥٥