وقال مسلم بن يسار عن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال : ما كان في الأوس
والخزرج رجل أوصف لمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) منه - يعني من بني عامر - كان يألف اليهود
ويسائلهم عن الدين ، ويخبرونه بصفة رسول الله ، وأن هذه دار هجرته ، ثم خرج
إلى يهود تيماء فأخبروه بمثل ذلك ، ثم خرج إلى الشام فسأل النصارى ، فأخبروه
بصفة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأن مهاجره يثرب .
فرجع أبو عامر وهو يقول : أنا على دين الحنفية ، فأقام مترهبا لبس المسوح ،
وزعم أنه على دين إبراهيم عليه السلام ، وأنه ينتظر خروج النبي ، فلما ظهر رسول
الله ( صلى الله عليه وسلم ) بمكة لم يخرج إليه ، وأقام على ما كان عليه .
فلما قدم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) المدينة حسد وبغى ونافق ، فأتى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : يا
محمد ! بم بعثت ؟ فقال : بالحنفية ، فقال : بالحنفية ، فقال : أنت تخلطها بغيرها ، فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) :
أتيت بها بيضاء ، أين ما كان يخبرك الأحبار من اليهود والنصارى من صفتي ؟ فقال :
لست بالذي وصفوا ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : كذبت ، فقال : ما كذبت ، فقال
رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : الكاذب أمانة الله وحيدا طريدا ، قال : آمين ، ثم رجع إلى مكة
فكان مع قريش يتبع دينهم ، وترك ما كان عليه ( 1 ) .
وذكر محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة ، عن شيخ من بني قريظة
قال : هل تدري علام كان إسلام ثعلبة بن سعية ، وأسيد بن سعية ( 2 ) ، وأسد بن
هامش
( 1 ) ( سيرة ابن هشام ) : 3 / 128 .
( 2 ) قال إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدني ، عن ابن إسحاق - وهو أحد رواه
المغازي - عنه : أسيد بن سعية بضم الألف ، وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق - وهو قول الواقدي
وغيره - : أسيد بفتحها ، قال الدارقطني : وهذا هو الصواب ، ولا يصح ما قاله إبراهيم عن ابن إسحاق .
وبنو سعية هؤلاء ، فيهم أنزل الله عز وجل : ( من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء
الليل وهم يسجدون * يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون
في الخيرات وأولئك من الصالحين * وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين ) [ 113 -
115 : آل عمران ] ، وسعية أبوهم يقال له : ابن العريض ، وهو بالسين المهملة ، والياء المنقوطة باثنتين .
وأما سعنة بالنون ، فزيد بن سعنه ، حبر من أحبار اليهود ، كان قد داين النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فجاءه
يتقاضاه قبل الأجل ، فقال : ألا تقضيني يا محمد ؟ ! فإنكم يا بني عبد المطلب مطل ، وما أردت إلا
أعلم علمكم ، فاتعد عمر ، ودار ، كأنه في فلك ، وجعل يلحظ يمينا وشمالا ، وقال : تقول هذا
لرسول الله يا عدو الله ؟ ! فقال له رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : أنا إلى غير هذا منك أحوك يا عمر : أن تأمرني
بحسن الأداء ، وتأمره بحسن التبعة ، قم فاقضه عني ، فوالله ما حل الأجل ، وزده عشرين صاعا بما روعته .
وفي حديث آخر أنه قال : دعه ، فإن لصاحب الحق مقالا ، ويذكر أنه أسلم لما رأى من موافقة
وصف النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لما كان عنده في التوراة ، وكان يجده موصوفا بالحلم ، فلما رأى من حلمه ما رأى
أسلم ، وتوفي غازيا مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في غزوة تبوك . ويقال في اسمه : سعية بالياء كما في الأول ،
ولم يذكره الدارقطني إلا بالنون .