فصل في ذكر المفاضلة بين المصطفى
وبين إبراهيم الخليل صلوات الله عليهما وسلامه ( * )
إعلم أنه لما ثبتت سيادة رسول الله صلى لله عليه وسلم وأنه إمام الأنبياء والمرسلين وأفضلهم ،
قيل : فكيف طلب له من أمته من صلاة الله تعالى عليه ما لإبراهيم عليه السلام
حين قالوا في صلواتهم : اللهم صل على محمد على وآل محمد كما صليت على إبراهيم
وعلى آل إبراهيم ، مع أن المشبه به أصله أن يكون فوق المشبه ؟ فاقتضي هذا أن
يكون إبراهيم أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم .
هامش
[ * ] - قال الله عز وجل : ( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ) [ 253 : البقرة ] ، فأخبره بأنه فاوت
بينهم في الفضل ، فأما الأخبار التي وردت في النهي عن التخيير بين الأنبياء فإنما هي في مجادلة أهل
الكتاب في تفضيل نبينا صلى الله عليه وسلم على أنبيائهم عليهم السلام ، لأن المخايرة إذا وقعت بين أهل دينين مختلفين
لم يؤمن أن يخرج كل واحد منهما في تفضيل من يريد تفضيله إلى الإزراء بالآخر ، فيكفر بذلك .
فأما إذا كانت المخايرة من مسلم يريد الوقوف على الأفضل ، فيقابل بينهما ليظهر له رجحان الأرجح ،
فليس هذا بمنهي عنه ، لأن الرسل إذا كانوا متفاضلين ، وكان فضل الأفضل يوجب له فضل حق ،
وكان الحق إذا وجب لا يهتدي إلى أداته إلا بعد معرفته ، ومعرفة مستحقه كانت إلى معرفة الأفضل
حاجة ، ووجب أن يكون لله عز وجل عليه دلالة ، وطلب العلم المحتاج إليه من قبل إعلامه المنصوبة
عليه ليس مما ينكر والله تعالى أعلم . وهذا قول أبو عبد الله الحليمي رحمه الله .
قال البيهقي : ومن تكلم في التفضيل ذكر في مرتب نبينا صلى الله عليه وسلم وخصائصه وجوها لا يحتمل ذكرها
بأجمعها هذا الكتاب ، ونحن نشير إلى وجه منها على طريق الاختصار .
فمنها : أنه صلى الله عليه وسلم كان رسول الثقلين الإنس والجن ، وأنه خاتم الأنبياء .
ومنها : أن شرف الرسول بالرسالة ، ورسالته أشرف الرسالات بأنها نسخت ما تقدمها من
الرسالات ، ولا تأتي بعدها رسالة تنسخها .
ومنها : أن الله تبارك وتعالى أقسم بحياته صلى الله عليه وسلم .
ومنها : أنه جمع له بين إنزال الملك عليه أو إصعاده إلى مساكن الملائكة ، بين إسماعه كلام الملك ،
وإرائه إياه في صورة التي خلقه عليها ، وجمع له بين إخباره عن الجنة والنار واطلاعه عليهما ، وصار
العلم له ، واقعا بالعالمين ، دار التكليف ودار الجزاء عيانا .
ومنها : قتال الملائكة معه صلى الله عليه وسلم .
ومنها : ما أخبره عن خصائصه التي يخصه الله تعالى بها يوم القيامة ، وهو المقام المحمود الذي وعده
بقوله : ( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) [ 79 : الإسراء ] . . .
ومنها : أن الله جل ثناؤه لم يخاطبه في القرآن إلا بالنبي أو الرسول ، ودعا سائر الأنبياء بأسمائهم ،
وحين دعا الأعراب نبينا صلى الله عليه وسلم باسمه أو كنيته نهاهم عن ذلك ، وقال : ( لا تجعلوا دعاء الرسول
بينكم كدعاء بعضكم بعضا ) [ 63 : النور ] ، وأمرهم بتعظيمه وبتفخيمه ، ونهاهم عن التقديم بين
يديه ، وعن رفع أصواتهم فوق صوته ، وعاب من ناداه من وراء الحجرات ، إلى غير ذلك مما يطول
بشرحه الكتاب ، وهو مذكور في كتب أهل الوعظ والتذكير .
ومنها : أنه صلى الله عليه وسلم أكثر الأنبياء إعلاما ، وقد ذكر بعض المصنفين أن أعلام نبينا صلى الله عليه وسلم تبلغ ألفا .
( دلائل البيهقي ) : 5 / 491 ، باب ما جاء في التخيير بين الأنبياء .