قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه ، وإذا
أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم . ذكره في كتاب الاعتصام ( 1 ) .
هامش
( 1 ) ( فتح الباري ) : 13 / 312 ، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ، باب ( 2 ) ، الاقتداء بسنة رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وقول الله تعالى : ( واجعلنا للمتقين إماما ) ، حديث رقم ( 7288 ) .
قال الإمام النووي : هذا من جوامع الكلم ، وقواعد الإسلام ، ويدخله كثير من الأحكام ،
كالصلاة لمن عجز عن ركن منها أو شرط فيأتي بالمقدور ، وكذا الوضوء ، وستر العورة ، وحفظ بعض
الفاتحة ، وإخراج بعض زكاة الفطر لمن لم يقدر على الكل ، والإمساك في في رمضان لمن أفطر بالعذر ثم قدر
في أثناء النهار ، إلى غير ذلك من المسائل التي يطول شرحها .
وقال غيره : فيه أن من عجز عن بعض الأمور لا يسقط عنه المقدور ، وعبر عنه بعض الفقهاء بأن
الميسور لا يسقط بالمعسور ، كما لا يسقط ما قدر عليه من أركان الصلاة بالعجز عن غيره ، وتصح توبته
الأعمى عن النظر المحرم ، والمجبوب عن الزنا ، لأن الأعمى والمجبوب قادران على الندم فلا يسقط عنهما
بعجزهما عن العزم عزم على عدم العود إذ لا يتصور منهما العود عادة ، فلا معنى للعزم على عدمه .
* واستدل به على أن من أمر بشئ فعجز عن بعضه ففعل المقدور أنه يسقط عنه ما عجز عنه ،
وبذلك استدل المزني على أن [ ما وجب أداؤه لا يجب قضاؤه ] ، ومن ثم كان الصحيح أن القضاء بأمر
جديد .
واستدل بهذا الحديث على أن اعتناء الشرع بالمنهيات فوق اعتنائه بالمأمورات ، لأنه أطلق الاجتناب في
المنهيات ولو مع المشقة في الترك ، وقيد في المأمورات بقدر الطاقة ، وهذا منقول عن الإمام أحمد .
فإن قيل : أن الاستطاعة معتبرة في النهي أيضا ، إذ ( لا يكلف الله إلا وسعها ) ، فجوابه أن
الاستطاعة تطلق باعتبارين ، كذا قيل ، والذي يظهر أن التقييد في الأمر بالاستطاعة ، لا يدل على المدعي
مع الاعتناء به ، بل هو من جهة الكف ، إذ كل أحد قادر على الكف لولا داعية الشهوة مثلا ، فلا
يتصور عدم الاستطاعة عن الكف ، بل كل مكلف قادر على الترك ، بخلاف الفعل ، فإن العجز عن
تعاطيه محسوس ، فمن ثم قيد في الأمر بحسب الاستطاعة دون النهي .
وعبر الطوفي في هذا الموضوع بأن ترك المنهي عنه عبارة عن استصحاب حال عدمه ، أو الاستمرار
على عدمه ، وفعل المأمور به عبارة عن إخراجه من العدم إلى الوجود ، وقد نوزع بأن القدرة على
استصحاب عدم النهي عنه قد تتخلف ، واستدل له بجواز أكل المصطر الميتة ، وأجيب بأن النهي في هذا
عارضه الإذن بالتناول في تلك الحالة .
وقال ابن فرج في ( شرح الأربعين ) : قوله صلى الله عليه وسلم : " فاجتنبوه " ، هو على إطلاقه ، حتى يوجد
ما يبيحه ، كأكل الميتة عند الضرورة ، وشرب الخمر عند الإكراه ، والأصل في ذلك جواز التلفظ بكلمة
الكفر إذا كان القلب مطمئنا بالإيمان ، كما نطق به القرآن .
والتحقيق أن المكلف في ذلك كله ليس منهيا في تلك الحال ، وأجاب الماوردي بأن الكف عن المعاصي
ترك وهو سهل ، وعمل الطاعة فعل وهو يشق ، فلذلك لم يبيح ارتكاب المعصية ولو مع العذر لأنه ترك ،
والترك لا يعجز المعذور عنه ، وأباح ترك العمل بالعذر لأن العمل قد يعجز المعذور عنه .
وادعى بعضهم أن قوله تعالى : ( فاتقوا الله ما استطعتم ) ، يتناول امتثال المأمور واجتناب المنهي
وقد قيد بالاستطاعة واستويا ، فحينئذ يكون الحكمة في تقييد الحديث بالاستطاعة في جانب الأمر دون
النهي ، أن العجز يكثر تصوره في الأمر بخلاف النهي ، فإن تصور العجز فيه محصور في الاضطرار .
وزعم بعضهم أن قوله تعالى : ( فاتقوا الله ما استطعتم ) ، نسخ قوله تعالى : ( فاتقوا الله حق
تقاته ) . والصحيح أن لا نسخ ، بل المراد بحق تقاته ، امتثال أمره واجتناب نهية مع القدرة لا مع
العجز .
واستدل به على أن المكروه يجب اجتنابه لعموم الأمر باجتناب المنهي عنه ، فشمل واجب والمندوب .
وأجيب بأن قوله تعالى : ( فاجتنبوه ) ، يعمل به في الإيجاب والندب بالاعتبارين ، ويجئ مثل هذا
السؤال وجوابه في الجانب الآخر وهو الأمر .
وقال الفاكهاني : النهي يكون تارة مع المانع من النقيض وهو المحرم ، وتارة لا معه وهو المكروه ،
وظاهر الحديث يتناولهما .
واستدل به على أن المباح ليس مأمورا به ، لأن التأكيد في الفعل إنما يناسب الواجب والمندوب ، وكذا
عكسه . وأجيب بأن من قال : المباح مأمور به ، لم يرد الأمر بمعني الطلب ، وإنما أراد بالمعنى الأعم وهو
الإذن .
واستدل به على أن الأمر لا يقتضي التكرار ولا عدمه ، وقيل : يقتضيه ، وقيل : يتوقف فيما زاد على
مرة ، وحديث الباب قد يتمسك به لذلك ، لما في سببه أن السائل قال في الحج : أكل عام ؟ فلو كان
مطلقه يقتضي التكرار أو عدمه لم يحسن السؤال ولا العناية بالجواب . وقد يقال : إنما سأل استظهارا أو
احتياطا .
وقال المازري : يحتمل أن يقال : إن التكرار إنما احتمل من جهة أن الحج في اللغة قصد التكرار ،
فاحتمل عند السائل التكرار من جهة اللغة ، لا من صيغة الأمر . وقد تمسك به من قال بإيجاب العمرة ،
لأن الأمر بالحج إذا كان معناه تكرار قصد البيت بحكم اللغة والاشتقاق ، وقد ثبت في الإجماع أن الحج
لا يجب إلا مرة ، فيكون العود إليه مرة أخرى دالا على وجوب العمرة .
* واستدل به على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في الأحكام لقوله صلى الله عليه وسلم : " لو قلت نعم لو وجبت " ،
وأجاب من منع باحتمال أن يكون أوحى إليه ذلك في الحال .
* واستدل به على أن جميع الأشياء على الإباحة ، حتى يثبت المنع من قبل الشارع .
* واستدل به على النهي عن كثرة المسائل والتعمق في ذلك .
قال البغوي في ( شرح السنة ) : المسائل على الوجهين :
أحدهما : ما كان على وجه التعليم لما يحتاج إليه من أمر الدين ، فهو جائز ، بل مأمور به لقوله تعالى :
( فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) ، وعلى ذلك تتنزل أسئلة الصحابة عن الأنفال والكلالة
وغيرهما .
ثانيهما : ما كان على وجه التعنت والتكلف ، وهو المراد في هذا الحديث ، والله أعلم ،
ويؤيده ورود الزجر في الحديث عن ذلك وذم السلف ، فعند أحمد من حديث معاوية : " أن النبي صلى الله عليه وسلم
نهي عن الأغلوطات " ، قال الأوزاعي : هي شداد المسائل ، وقال الأوزعي أيضا : " إن الله إذا أراد أن
يحرم عبده بركة العلم ألقى على لسانه المغاليط ، فلقد رأيتم أقل الناس علما " .
وقال ابن وهب : سمعت مالكا يقول : " المراء في العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل " ، وقال
ابن العربي : " كان النهي عن السؤال في العهد النبوي خشية أن ينزل ما يشق عليهم ، فأما بعد فقد أمن
ذلك ، لكن أكثر النقل عن السلف بكراهة الكلام في المسائل التي لم تقع " ، قال : " وإنه لمكروه إن لم
يكن حراما ، إلا للعلماء ، فأنهم فرعوا ومهدوا ، فنفع الله من بعدهم بذلك ، ولا سيما مع ذهاب
العلماء ودروس العلم .
وينبغي أن يكون محل لكراهية للعالم ، إذا شغله ذلك عما هو أعم منه ، وكان ينبغي تلخيص ما يكثر
وقوعه مجردا عما يندر ، ولا سيما في المختصرات ليسهل تناوله ، والله المستعان .
* واستدل به على أن الاشتغال بالأهم المتاح إليه عاجلا عما لا يحتاج إليه في الحال ، فكأنه قال :
عليكم بفعل الأوامر واجتناب النواهي ، فاجعلوا اشتغالكم بها عوضا عن الاشتغال بالسؤال عما لم يقع .
فينبغي للمسلم أن يبحث عما جاء عن الله ورسوله ، ثم يجتهد في تفهم ذلك ، والوقوف على المراد
به ، ثم يتشاغل بالعمل به ، فإن كان من العمليات ، يتشاغل بتصديقه واعتقاد أحقيته ، وإن كان من
العمليات ، بذل وسعه في القيام به فعلا وتركا ، فإن وجد وقتا زائدا على ذلك فلا بأس بأن يصرفه في
الاشتغال بتعريف حكم ما سيقع على القصد العمل به أن لو وقع ، فأما إن كانت الهمة مصروفة عن سماع
الأمر والنهي إلى فرض أمور قد تقع ، وقد لا تقع ، مع الإعراض عن القيام بمقتضى ما سمع ، فإن هذا مما
يدخل في النهي ، فالتفقه في الدين إنما يحمد إذا كان للعمل ، لا للمراء والجدال . ( المرجع السابق ) :
325 - 328 .