ربك إلى النحل ) ( 1 ) ، وفيه : ( بأن ربك أوحى لها ) ( 2 ) أي إليها ، فمعنى هذا :
أمرها ، ووحى في هذا المعنى وأوحى إليه ووحى إليه : أومأ . وفي التزيل :
( فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا ) ( 3 ) .
وقال الحافظ أبو نعيم ( 4 ) : ومعنى الوحي مأخوذ من الوحا ، وهو العجلة ، فلما
هامش
( 1 ) النحل : 68 .
( 2 ) الزلزلة : 5 .
( 3 ) مريم : 11 .
( 4 ) هو أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران المهراني الأصبهاني ، نسبة إلى أصبهان ، وهي
بلدة في وسط إيران .
وينقل ابن خلكان في ( وفيات الأعيان ) عن أبي نعيم نفسه أنه قد ذكر أن جده ( مهران ) قد أسلم ،
وكأنه يشير بذلك إلى أنه أول من أسلم من أجداده ، وقد كان ( مهران ) هذا مولى لعبد الله بن جعفر ، هذا
نسبه من جهة أبيه .
أما نسبه من جهة أمه ، فقد ذكر في ( تذكرة الحفاظ ) إن أبا نعيم هو سبط - [ ولد الولد ويغلب
إطلاقه على ابن البنت ] - محمد بن يوسف البناء ، ومحمد بن يوسف البناء هذا كان عابدا ، زاهدا ، له
شهرته في تلك البلاد ، وله ذكر في غيرها من بلاد الإسلام والمسلمين ، تخرج عليه جماعة من العباد
الزهاد ، قال عنه أبو نعيم في مقدمته لحلية الأولياء : ( فقد كان جدي محمد بن يوسف البناء رحمة الله ،
أحد من نشر الله عز وجل به ذكر بعض المنقطعين إليه ، وعمر به أحوال كثير من المقبلين عليه ) ، ترجم
له ابن الجوزي في ( صفة الصفوة ) وعده من المصطفين من أهل أصبهان .
وفي يوم مشرق من أيام رجب عام ست وثلاثين وثلاثمائة ، كانت الولادة السعيدة لأبي نعيم ، ولد
ولادة عادية . دون أن يدري أحد من مستقبل هذا الطفل شيئا ، وما أن فتح عينيه إلى النور ، حتى رأى
الناس جميعا وميض الذكاء فيهما ، فتنبأوا له بمستقبل زاهر ، إن تم له ما يتطلبه هذا الذكاء الفذ من رعاية
وتوجيه .
بدت معالم الذكاء على أبي نعيم منذ نعومة أظفاره ، ولذلك وجهه والده الوجهة العلمية ، لأن ذلك
أحسن ميدان للذكاء ، تتفتح فيه العبقرية ، ويعظم الأثر ، وفعلا فقد بدأ الغلام بمجالسة العلماء ، والسماع
منهم في سن مبكرة جدا ، ولم تمض سنوات حتى ذاع صيته بين العلماء ، وامتدت شهرته في الآفاق ،
وأجاز له مشايخ الدنيا سنة نيف وأربعين وثلاثمائة ، وقد كان له من العمر ست سنين .
فأجاز له من واسط : المعمر عبد الله بن عمر بن شوذب ، ومن نيسابور : شيخها أبو العباس الأصم ،
ومن الشام : شيخها خيثمة بن سليمان الأطرابلسي ، ومن بغداد : جعفر الخلدي ، وأبو سهل بن زياد ،
وغيرهم خلق كثير ، كلهم من علية القوم ورؤوس العلماء ، وقد كان بعض هؤلاء الذين أجازوه ممسكا
عن الإجارة ، ومع ذلك فقد أجازوا لأبي نعيم . قال الذهب : وأجازه طائفة تفرد في الدنيا بإجازتهم ) .
ولم يكن أبو نعيم من الذين يفترون بذكائهم وقوة حافظتهم فيعرضون عن الدأب ، بل كان يرى أن
ما وهبه الله من قوة الحافظة نعمة يجب أن يستغلها حق الاستغلال ، مؤديا حق الله تعالى فيها ، ولذلك كان
دائبا على العلم ، عاكفا على المطالعة ، فلم تكن تراه إلا مدرسا ، أو دارسا ، أو مصنفا ، حتى قال عنه
أحمد بن محمد بن مردويه : ( لم يكن له غذاء سوى التسميع والتصنيف ) ، فاجتمعت لأبي نعيم الأسباب
الرئيسية التي تحمل الإنسان إلى المراتب ، وهي الذكاء ، والدأب ، واللذة بما يعمل ، فقد وصل أبو نعيم
فعلا إلى أعلى المراتب العلمية في عصرة ، وأطلق عليه ابن كثير في ( البداية والنهاية ) لقب ( الحافظ
الكبير ) ، فقال : أبو نعيم هو الحافظ الكبير ذو التصانيف المفيدة الكثيرة الشهيرة . وقال عنه ابن خلكان
في ( وفيات الأعيان ) : كان أبو نعيم من أعلام المحدثين وأكابر الحفاظ الثقات . أما الحافظ الذهبي ، فقد
أطلق عليه ( محدث العصر ) فقال : أبو نعيم الحافظ الكبير محدث العصر . . . رحلت الحفاظ إلى بابه لعلمه
وحفظ أسانيده . ويقول أحمد بن محمد بن مردويه : كان أبو نعيم في وقته مرحولا إليه ، لم يكن في أفق من
الآفاق أحد أحفظ منه ولا أسند منه ، فإن حفاظ الدنيا قد اجتمعوا عنده ، وكل يوم نوبة أحد منهم ، يقرأ
ما يريده إلى قريب الظهر ، فإذا قام أبو نعيم إلى داره ، ربما كان يقرأ عليه في الطريق جزءا ، وكان
لا يضجر . أما الخطيب البغدادي فإنه يقول : لم أر أحدا أطلق عليه اسم الحافظ غير أبي نعيم وأبي حازم
العبدري .
ويذكر حمزة بن العباس العلوي أن أصحاب الحديث قد قالوا : بقي أبو نعيم فترة طويلة من الزمن وهو
لا نظير له أبدا ، فقال : كان أصحاب الحديث يقولون : بقي الحافظ أبو نعيم أربع عشر سنة بلا نظير
لا يوجد شرقا ولا غربا أعلى إسنادا منه ، ولا أحفظ منه .
وهكذا نجد أن المحدثين جميعا قد اتفقوا على أن أبا نعيم كان محدث عصره ، وأنه لم يكن له نظير في كثرة
ما يحفظ ، ولا في علو الإسناد ، والإسناد العالي : هو الذي قل عدد رجاله مع سلامتهم من الضعيف ،
وهو على خمسة أقسام : [ 1 ] قربه من الرسول صلى الله عليه وسلم ، [ 2 ] قربه من إمام من أئمة الحديث ، [ 3 ]
العلو بالنسبة إلى رواية الصحيحين ، أو أحدهما ، أو غيرهما من الكتب المعروفة المعتمدة ، [ 4 ] العلو
المستفاد من تقدم وفاة الراوي ، [ 5 ] العلو المستفاد من تقدم السماع .
وحيازة محدث الأسانيد العالية ، ميزة ترجحه على غيره من المحدثين ، فالمحدثين يتحرون الأسانيد
العالية ، ويرحلون في طلبها ، حتى قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه : ( طلب الإسناد العالي سنة
عمن سلف ) ، وذلك لأن العلو يبعد الإسناد عن الخلل ، لأن كل رجل من رجال السند يحتمل أن يقع
الخلل من جهته سهوا أو عمدا ، ففي قلتهم قلة جهات الخلل ، وفي كثرتهم كثرة جهات الخلل ، ولهذا
رجح الحافظ أبو نعيم على غيره من محدثي عصره ، فهو يحدث بأسانيد عالية لم تجتمع لأحد غيره من محدثي
عصره .
وقد أخذ أبو نعيم العلم من مسند أصبهان المعمر أبي محمد بن فارس ، وأبي أحمد العسال ، وأحمد بن
محمد القصار ، وأبي بحر بن كوثر ، وأبي القاسم الطبراني ، وإبراهيم بن عبد الله بن أبي العزائم الكوفي ،
وغيرهم كثير فأكثر وأجاد . قال الحافظ الذهبي : ( وتهيأ له من لقيا الكبار ما لم يقع لحافظ ) .
وقد أخذ العلم من أبي نعيم خلق كثير ، حتى قال علي بن المفضل الحافظ : قد جمع شيخنا السلفي أخبار أبي
نعيم ، فسمي نحوا من ثمانين نفسا حدثوا عنه .
ومما أخذه العلماء على أبي نعيم ، أنه كان يخلط المسموع له بالمجاز ، ولا يوضح أحدهما من الآخر ،
وأجاب الحافظ الذهبي عن هذه الدعوى وقال : ربما فعله نادرا . ومن هذه المآخذ : روايته الأحاديث
الموضوعة دون التنبيه إليها في كثير من الأحيان ، حتى قال في ميزان الاعتدال : هو عندي مقبول ، لا أعلم
له ذنبا أكبر من روايته الموضوعات ساكتا عنها ، وهذه كبيرة من أبي نعيم لأن من كان مثله لا ينبغي له أن
يروي شيئا من هذه الموضوعات دون التنبيه عليها ، ولكن ذلك لا يقدح في عدالته وإمامته ، ولعل أبا نعيم
كان يكتفي بذكر السند عن التنبيه عليها .
وقد أحسن أبو نعيم التصنيف ، ولهذا فقد عده ابن الصلاح أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن
الشهرزوري ، المتوفى سنة [ 643 ه ] في مقدمته واحدا من سبعة من الذين أحسنوا تأليف ، وعظمت
الاستفادة من مصنفاتهم ، فقال : ( سبعة من الحفاظ في ساقتهم أحسنوا التصنيف ، وعظم الانتفاع
بتصانيفهم في عصرنا ، منهم أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني الحافظ ) .
ومن أشهر مؤلفات أبي نعيم : [ 1 ] حلية الأولياء وطبقات الأصفياء ، وقد طبع كتاب الحلية في عشر
مجلدات ، وقد حاز إعجاب العلماء في حسن تصنيفه ، وغزارة مادته ، فقال عنه ابن خلكان : ( كتاب
الحلية من أحسن الكتب ) ، وقال عنه ابن كثير : ( من كتب أبي نعيم الحلية ، دل على رواية أبي نعيم ،
وكثرة مشايخة ، وقوة اطلاعه في مخارج الحديث . . . ) ، ويذكر الذهبي في تذكرة الحفاظ ، أن أبا نعيم لما
صنف كتاب الحلية ، حمل الكتاب إلى نيسابور ، فاشتروه بأربعمائة دينار ) .
[ 2 ] كتاب دلائل النبوة ، فقد ساق أبو نعيم في هذا الكتاب الأحاديث بإسناده ، دون أن ينبه إلى
صحتها أو عدم صحتها ، ودون أن يتكلم على أحد من رجال هذه الأسانيد ، ودون أن يشير إلى وجودها
في شئ من كتب المحدثين الذين تقدموه ، وقد حوى هذا الكتاب خمسة وثلاثين فصلا ، تحدثت عن أسماء
الرسول صلى الله عليه وسلم ، واشتهار أمره قبل مبعثه ، وذكر الكتب السماوية له ، وتحدثها عن صفاته ، وما خصه الله
به ، وغير ذلك ، وقد طبع الكتاب في الهند بعد مرة ، في جزء واحد ، بدون تحقيق ، ثم طبع في دار
النفائس [ بيروت - لبنان ] بتحقيق كل من : الدكتور / محمد رواس والأستاذ عبد البر عباس .
وبعد أن امتدت حياة أبي نعيم أربعة وتسعين عاما ، قضاها كلها ، إلا الأعوام الأربعة الأولى منها ،
ما بين درس ، ومدرسة ، وتدريس ، وفي يوم الاثنين الحادي والعشرين من محرم سنة ثلاثين وأربعمائة كما
يذكر ابن خلكان ، حمل النعي إلى العالم الإسلامي نبأ الفجيعة ، نبأ وفاة أبي نعيم في أصفهان ، فبكى الناس
العالم المحقق ، والزاهد العابد ، والحافظ المحدث ، والمؤرخ المتبحر ، رحمه الله واسعة وجزاه عن
الإسلام خيرا .
( دلائل النبوة ) : 1 / 5 - 15 ، ( الحلية ) : 1 / المقدمة ، ( البداية والنهاية ) : 12 / 56 ،
( وفيات الأعيان ) : 1 / 91 - 92 ، ترجمة رقم ( 33 ) ، ( سير أعلام النبلاء ) :
17 / 453 - 464 ، ترجمة رقم ( 305 ) ، ( الكامل في التاريخ ) :
10 / 119 ، 254 ، 11 / 349 ، ( طبقات الحفاظ ) : 423 ، ترجمة رقم ( 3024 ) ، ( مرآة
الجنان ) : 3 / 52 ، ( لسان الميزان ) : 1 / 216 ، ترجمة رقم ( 638 ) ، ( شذرات الذهب ) :
3 / 245 ، ( المستفاد من ذيل تاريخ بغداد ) : 19 / 49 - 52 ، ترجمة رقم ( 35 ) .