فصل في ذكر بدء الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم
وكيف تراءى الملك له وإلقاؤه الوحي إليه وتقريره له أنه
يأتيه من عند الله عز وجل وأنه قد صار يوحى إليه
نبيا ورسولا إلى الناس جميعا
قال ابن سيده في كتاب المحكم : وجاء وحيا : كتب ، والوحي المكتوب أيضا
وعلى ذلك جمعوا فقالوا : أوحي ، وأوحى إليه : ألهمه ( 1 ) ، وفي التنزيل : ( وأوحى
هامش
( 1 ) الوحي : ما يقع به الإشارة القائمة مقام العبارة من غير عبارة ، فإن العبارة يجوز منها إلى المعنى المقصود
بها ، ولذا سميت عبارة ، بخلاف الإشارة التي هي الوحي فإنها ذات المشار إليه ، والوحي هو المفهوم
الأول ، والافهام الأول ، ولا تعجب من أن يكون عين الفهم عين الأفهام عين المفهوم منه ، فإن لم تحصل
لك هذه النكتة فلست بصاحب وحي ، ألا ترى أن الوحي هو السرعة ، ولا سرعة أسرع مما ذكرنا ،
فهذا الضرب من الكلام يسمى وحيا ، ولما كان بهذه المثابة وأنه تجل ذاتي ، لهذا ورد في الحديث الذي
رواه ابن حبان في صحيحه ، والقسطلاني في ( إرشاد الساري ) 1 / 167 من عدة طرق ، وبألفاظ تزيد
وتنقص ، وكلها متقاربة المعنى : ( إن الله إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على
الصفاة فيصعقون ، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل ، فإذا جاءهم فزع عن قلوبهم [ كشف عنهم
الخوف ] فيقولون : يا جبريل ، ماذا قال ربك ؟ فيقول : الحق ، فينادون الحق وهو العلي الكبير ) ،
وما سألت الملائكة عن هذه الحقيقة وإنما عن السبب من حيث هويته .
فالوحي : ما يسرع أثره من كلام الحق في نفس السامع ، ولا يعرف هذا إلا العارفون بالشؤون الإلهية ،
فإنها عين الوحي الإلهي في العالم وهم لا يشعرون . وقد يكون الوحي اسراع الروح الإلهي بالإيمان بما يقع
به الإخبار والمفطور عليه كل شئ مما لا كسب فيه من الوحي أيضا ، كالمولود يلتقم ثدي أمه ، ذلك من
أثر الوحي الإلهي كما قال : ( ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ) [ الواقعة : 85 ] ،
( ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون ) [ البقرة : 154 ] ، وقال
تعالى : ( وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ) ، [ النحل :
68 ] ، فلولا أنها فهمت من الله وحيه لما صدر منها ما صدر ، ولهذا لا تتصور معه المخالفة إذا كان الكلام
وحيا ، فإن سلطانه أقوى من أن يقاوم ، ( وأوحينا إلى موسى أن ارضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في
أليم ) [ القصص : 7 ] ، ولذا فعلت ولم تخالف ، والحالة تؤذن بالهلاك ولم تخالف ولا ترددت ،
ولا حكمت عليها البشرية بأن هذا من أخطر الأشياء ، فدل على أن الوحي أقوى سلطانا في نفس الموحى
إليه من طبعه الذي هو عين نفسه ، قال تعالى : ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) [ ق : 16 ] ،
وحبل الوريد من ذاته .
فإذا زعمت يا ولي بأن الله أوحى إليك فانظر نفسك في التردد والمخالفة ، فإن وجدك لذلك أثر تدبير أو
تفضيل أو تفكر فلست بصاحب وحي ، فإن حكم عليك وأعماك وأصمك وحال بينك وبين فكرك
وتدبيرك وأمضى حكمه فيك ، فذلك هو الوحي ، وأنت عند ذلك صاحب وحي ، وعلمت عند ذلك أن
رفعتك وعلو مرتبتك أن تلحق بمن يقول إنه دونك من حيوان أو نبات أو جماد ، فإن كل شئ مفطور على
العلم بالله ، إلا أن مجموع الإنس والجان فإنه من حيث تفصيله منطو على العلم بالله كسائر ما سواهما من
المخلوقات ، من ملك ، وحيوان ، ونبات ، وجماد ، فما من شئ فيه شعر ، وجلد ، ولحم ، وعصب ،
ودم ، وروح ، ونفس ، وظفر ، وناب ، إلا هو عالم بالله ، حتى ينظر ويفكر ، ويرجع إلى نفسه ، فيعلم
أن له صانعا صنعه ، وخالقا خلقه ، فلو أسمعه الله نطق جلده ، أو يده ، أو لسانه ، أو عينه ، لسمعه
ناطقا بمعرفته بربه ، مسبحا لجلاله ، مقدسا لجماله ( يوم تشهد عليهم ألسنتهم ) [ النور : 24 ] ،
( اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم ) [ يس : 65 ] ، ( وقالوا لجلودهم لم
شهدتم علينا ) [ فصلت : 31 ] . فالانسان من حيث تفصيله عالم بالله ، ومن حيث جملته جاهل بالله
حتى يعلم ، أي يعلم لما في تفصيله ، فهو العالم الجاهل ، ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قره أعين )
[ السجدة : 17 ] .
قال أبو القاسم الأصفهاني : الوحي : الإشارة السريعة ، ولتضمن السرعة قيل : أمر وحي ، وذلك
يكون بالكلام على سبيل الرمز أو التعريض فالرمز : الصوت الخفي ، أو الإشارة بالشفة ، والتعريض :
خلاف التصريح ، وهو تروية في القول ، ولحن الكلام - وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب ، وبإشارة
ببعض الجوارح ، وبالكتابة ، وقد حمل على كل ذلك قوله تعالى : ( فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة
وعشيا ) [ مريم : 11 ] ، فقد قيل : رمز ، وقيل : أشار ، وقيل كتب ، وحمل على هذه الوجوه أيضا
قوله تعالى : ( يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ) [ الأنعام : 112 ] ، وقوله : ( وإن
الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ) [ الأنعام : 121 ] ، فلذلك بالوسواس المشار إليه بقوله : ( ومن شر
الوسواس الخناس ) [ الناس : 4 ] وبقوله صلى الله عليه وسلم : ( إن للشيطان لمة ) .
ويقال للكلمة الإلهية التي تلقى إلى أنبيائه وحي ، وذلك أضرب حسب ما دل عليه
قوله تعالى : ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من رواء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه
ما يشاء ) [ الشورى : 51 ] ، وذلك إما برسول مشاهد ترى ذاته ، ويسمع كلامه ، كتبليغ جبريل
عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم في صورة معينة ، وإما بسماع كلام من غير معاينة ، كسماع موسى عليه السلام
كلام الله تعالى .
وإما بإلقاء في الروع [ القبل أو النفس ] ، كما ذكر صلى الله عليه وسلم : ( إن روح القدس نفث في روعي ) [ رواه
أبو نعيم في الحلية عن أبي أمامة ] ، وإما بإلهام نحو قوله تعالى : ( وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه )
[ القصص : 7 ] ، وإما بتسخير نحو قوله تعالى : ( وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا
ومن الشجر ومما يعرشون ) [ النحل : 61 ] وإما بمنام كما قال صلى الله عليه وسلم : ( لم يبق من النبوة إلا المبشرات )
[ الحديث أخرجه الإمام أحمد ، ومسلم ، وأبو داود ، وابن ماجة ، عن ابن عباس ، وأول الحديث :
( أيها الناس ، لم يبق من مبشرات النبوة . . . ] .
فالإلهام ، والتسخير ، والمنام ، دل عليه قوله تعالى : ( إلا وحيا ) [ الشورى : 51 ] ، وتبليغ جبريل
عليه السلام في صورة معينة ، دل عليه قوله تعالى : ( أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء )
[ الشورى : 51 ] .
وقوله تعالى : ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شئ )
[ الأنعام : 93 ] ، فذلك ذم لمن يدعي شيئا من أنواع ما ذكرنا من الوحي ، أي نوع ادعاه من غير أن
يكون حصل له .
وقوله تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ) [ الأنبياء : 25 ] ، فهذا الوحي
هو عام في جميع أنواعه ، وذلك أن معرفة وحدانية الله تعالى ، ومعرفة وجوب عبادته ، ليست مقصورة
على الوحي المختص بأولي العزم من الرسل ، بل ذلك يعرف بالعقل والإلهام ، كما يعرف بالسمع ، فإذا
القصد من الآية تنبيه أنه من المحال أن يكون رسول لا يعرف وحدانية الله تعالى ووجوب عبادته .
وقوله تعالى : ( وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي ) [ المائدة 111 ] ، فذلك وحي
بواسطة عيسى عليه السلام .
وقوله تعالى : ( وأوحينا إليهم فعل الخيرات ) [ الأنبياء : 73 ] فذلك وحي إلى الأمم بواسطة
الأنبياء عليهم السلام .
ومن الوحي المختص بالنبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : ( اتبع ما أوحي إليك من ربك ) [ الأنعام : 106 ] ،
وقوله تعالى : ( وأوحينا إلى موسى وأخيه ) [ يونس : 87 ] ، فوحيه إلى موسى بوساطة جبريل ،
وهارون بواسطة موسى عليهما السلام .
وقوله تعالى : ( إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم ) [ فصلت : 12 ] ، فإن كان الوحي إلى أهل السماء
فقط ، فالموحى إليه محذوف ذكره ، كأنه قال : أوحى إلى الملائكة ، لأن أهل السماء هم الملائكة ،
ويكون كقوله تعالى : ( إذ يوحي ربك إلى الملائكة ) [ الأنفال : 12 ] ، وإن كان الموحى إليه هي
السماوات ، فذلك تسخير عند من يجعل السماء غير حي ، ونطق عند من يجعله حيا .
وقوله تعالى : ( بأن ربك أوحى لها ) [ الزلزلة : 5 ] ، قريب من الأول .
وقوله تعالى : ( ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ) [ طه : 114 ] ، فحث على
التثبت في السماع ، وعلى ترك الاستعجال في تلقيه وتلقنه . ( بصائر ذوي التمييز ) :
5 / 177 - 182 .