وخرج من حديث أبي سنان عن الضحاك بن مزاحم عن النزال بن سبرة عن
علي رضي الله عنه قال : قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : هل عبدت وثنا قط ؟ قال : لا ، قال :
شربت خمرا قط ؟ قال : لا ، وما زلت أعرف أن الذي هم عليه كفر ، وما كنت
أدري ما الكتاب ولا الإيمان ، وبذلك نزل القرآن : ( ما كنت تدري ما الكتاب
ولا الإيمان ) ( 1 )
هامش
( 1 ) ( الشورى : 52 ) ، قال الزمخشري : فإن قلت : قد علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يدري ما القرآن
قبل نزوله عليه ، فما معنى قوله تعالى : ( ولا الإيمان ) ، والأنبياء لا يجوز عليهم إذا عقلوا وتمكنوا من
النظر والاستدلال ، أن يخطئهم الإيمان بالله وتوحيده ، ويجب أن يكونوا معصومين من ارتكاب الكبائر ،
ومن الصغائر التي يكون فيها تنفير قبل المبعث وبعده ، فكيف لا يعصمون من الكفر ؟ .
قلت : الإيمان اسم يتناول أشياء ، بعضها الطريق إليه العقل ، وبعضها الطريق إليه السمع ، فعنى به
ما الطريق إليه السمع دون العقل ، وذلك ما كان له فيه علم حتى كسبه بالوحي ، ألا ترى أنه فسر
الإيمان في قوله تعالى : ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) بالصلاة ، لأنها بعض ما يتناوله الإيمان .
( الكشاف ) : 3 / 409 - 410 .
قال الإمام ناصر الدين أحمد بن المنير الإسكندري المالكي : لما كان معتقد الزمخشري أن الإيمان اسم
التصديق مضافا إليه كثير من الطاعات فعلا وتركا ، حتى لا يتناول الموحد العاصي ولو بكبيرة واحدة اسم
الإيمان ، ولا يناله وعد المؤمنين ، وتفطن لإمكان الاستدلال على صحة معتقده بهذه الآية ، عدها فرصة
لينتهزها ، وغنيمة ليحرزها ، وأبعد الظن بإرادة مذهب أهل السنة على صورة السؤال ، ليجيب عنه بصورة
معتقده ، فكأنه يقول : لو كان الإيمان وهو مجرد التوحيد والتصديق ، كما تقول أهل السنة ، للزم أن ينفي
عن النبي صلى الله عليه وسلم قبل المبعث بهذه الآية كونه مصدقا ، ولما كان التصديق ثابتا للنبي صلى الله عليه وسلم قبل البعث باتفاق
الفريقين ، لزم أن لا يكون الإيمان المنفي في هذه الآية عبارة عما اتفق على ثبوته ، وحينئذ يستقيم
نفيه قبل البعث ، وهذا الذي طمع فيه ، لا يبلغ منه ما أراد ، وذلك أن أهل السنة وإن قالوا أن الإيمان هو
التصديق خاصة ، حتى يتصف به كل موحد وإن كان فاسقا ، يخصون التصديق بالله وبرسوله ، فالنبي
صلى الله عليه وسلم مخاطب في الإيمان بالتصديق برسالة نفسه ، كما أن أمته مخاطبون بتصديقه ، ولا شك أنه قبل الوحي لم
يكن يعلم أنه رسول الله ، وما علم ذلك إلا بالوحي ، وإذا كان الإيمان عند أهل السنة هو التصديق بالله
ورسوله . ولم يكن هذا المجموع ثابتا قبل الوحي ، بل كان الثابت هو التصديق بالله تعالى خاصة استقام
نفي الإيمان قبل الوحي على هذه الطريقة الواضحة ، والله أعلم . ( الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من
الاعتزال ) : 3 / 410 .
وقالوا : معنى الآية : ما كنت تدري قبل الوحي كيف تقرأ القرآن ولا كيف تدعوا الخلق إلى الإيمان ،
وقيل : كان هذا قبل البلوغ حين كان طفلا وفي المهد .
وقال الحسين بن الفضل : إنه عليه حذف مضاف : أي ولا أهل الإيمان ، وقيل : المراد بالإيمان دين
السلام ، وقيل : الإيمان هنا عبارة عن الإقرار بكل ما كلف الله به العباد . ( فتح القدير ) : 4 / 764 .