الشمس كورت ، وإذا السماء انفطرت ، فاستطار ( 1 ) فيه القتير ( 2 ) فقال له أبو بكر
رضي الله عنه : أسرع فيك القتير ( 2 ) بأبي أنت وأمي ، فقال : شيبتني هود
وصواحباتها ( 3 ) هذه ، وفيها ، والمرسلات .
وخرج البخاري من حديث أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لن ينجى أحدا منكم عمله ، قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟
قال : ولا أنا ، إلا أن يتغمدني الله برحمة ، سددوا ، وقاربوا ، واغدوا ، وروحوا ،
وشئ من الدلجة ، والقصد القصد ( تبلغوا ) ( 4 ) ذكره في الرقاق ( 5 )
هامش
( 1 ) استطار : انتشر وتفرق كأنه طار في نواحيها ، ومنه استطار الصدع في الحائط إذا انتشر فيه ، واستطار
البرق إذا انتشر في السماء . ( لسان العرب ) : 4 / 513 .
( 2 ) القتير : الشيب ( سنن أبي داود ) : ج 2 ص 581 ، كتاب النكاح ، باب في تزويج من لم يولد ، وقال
في ( لسان العرب ) : القتير : هو الشيب ، أول ما يظهر منه ، وفي الحديث : ( ويقرن أي النساء هي
اليوم ؟ قال : قد رأت القتير ) ، قال الخطابي : يريد بسن أي النساء هي ، والقرن : بنو سن واحد ،
يقال هؤلاء قرن زمان ، وفي النهاية : بقرن أي النساء هي ؟ أي بسن أيتهن ؟ ، قد رأت القتير : كناية
عن تجاوزها سن التزويج . ( عون المعبود ) : 3 / 93 ، ( لسان العرب ) : 5 / 72 .
( 3 ) لم أقف على حديث شيبتني هود بلفظ ( صواحباتها ) .
( 4 ) تتمه من البخاري ) .
( 5 ) ( فتح الباري ) : 11 / 355 ، حديث رقم ( 6463 ) ، وبعده حديث رقم ( 6464 ) : ( عن
عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( سددوا وقاربوا ، واعلموا أن لن يدخل أحدكم عمله الجنة ، وأن أحب
الأعمال إلى الله أدومها وإن قل )
قوله : ( ينجي ) ، أي يخلص ، والنجاء من الشئ : التخلص منه ، قال ابن بطال في الجمع بين هذا
الحديث وقوله تعالى : ( وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ) ما محصله : أن تحمل الآية على
أن الجنة تنال المنازل فيها بالأعمال ، فإن درجات الجنة متفاوتة بحسب الأعمال ، وأن يحمل الحديث على
دخول الجنة والخلود فيها ، ثم أورد على هذه الجواب قوله تعالى : ( سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم
تعملون ) فصرح بأن دخول الجنة أيضا بالأعمال ، وأجاب بأنه لفظ مجمل بينه الحديث ، والتقدير :
ادخلوا منازل الجنة وقصورها بما كنتم تعملون ، وليس المراد بذلك أصل الدخول .
وقال القاضي عياض : طريق الجمع أن الحديث فسر ما أجمل في الآية ، فذكر نحوا من كلام ابن بطال
الأخير ، وأن من رحمة الله توفيقه للعمل ، وهدايته للطاعة ، وكل ذلك لم يستحقه العامل بعمله ، وإنما هو
بفضل الله ورحمته .
وقال ابن الجوزي : يتحصل عن ذلك أربعة أجوبة : الأول أن التوفيق للعمل من رحمة الله ، ولولا
رحمة الله السابقة ما حصل الإيمان ، ولا الطاعة التي يحصل بها النجاة . الثاني ، أن منافع العبد لسيده ،
فعمله مستحق لمولاه ، فمهما أنعم عليه من الجزاء فهو من فضله .
الثالث ، جاء في بعض الأحاديث أن نفس دخول الجنة برحمة الله ، واقتسام الدرجات بالأعمال .
الرابع ، أن أعمال الطاعات كانت في زمن يسير ، والثواب لا ينفد ، والإنعام الذي لا ينفد في جزاء ما ينفذ
بالفضل لا بمقابلة الأعمال .
وقال ابن القيم في كتاب ( مفتاح دار السعادة ) : الباء المقتضية للدخول ، غير الباء الماضية ،
فالأولى السببية الدالة على أن الأعمال سبب الدخول المقتضية له ، كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها ،
والثانية بالمعاوضة ، نحو اشتريت منه بكذا ، فأخبر أن دخول الجنة ليس في مقابلة عمل أحد ، وأنه لولا
رحمة الله لعبده لما أدخله الجنة ، لأن العمل بمجرده ولو تناهى لا يوجب بمجرده دخول الجنة ، ولا أن يكون
عوضا لها ، لأنه لو وقع على الوجه الذي يحبه الله لا يقاوم نعمة الله ، بل جميع العمل لا يوازي نعمة
واحدة ، فتبقى سائر نعمه مقتضية لشكرها ، وهو لم يوفها حق شكرها ، فلو عذبه في هذه الحالة لعذبه
وهو غير ظالم ، وإذا رحمه في هذه الحالة ، كانت رحمته خيرا من عمله ، كما في حديث أبي بن كعب ،
الذي أخرجه أبو داود وابن ماجة في ذكر القدر ، ففيه : ( لو أن الله عذب أهل سماواته وأرضه لعذبهم
وهو غير ظالم لهم ، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم ) .
قال : وهذا فصل الخطاب مع الجبرية الذين أنكروا أن تكون الأعمال سببا في دخول الجنة من كل
وجه . والقدرية الذين زعموا أن الجنة عوض العمل وأنها ثمنه ، وأن دخولها بمحض الأعمال . والحديث
يبطل دعوى الطائفتين .
قوله : ( قالوا ولا أنت يا رسول الله ؟ ) قال الكرماني : إذا كان الناس لا يدخلون الجنة إلا برحمة
الله ، فوجه تخصيص رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذكر أنه إذا كان مقطوعا له بأنه يدخل الجنة ثم لا يدخلها إلا برحمة الله ،
فغيره يكون في ذلك بطريق الأولى .
قوله : ( برحمة ) ، في رواية أبي عبيد : ( بفضل ورحمة ) ، وفي رواية الكشميني من طريقه : ( بفضل
رحمته ) ، وفي رواية الأعمش : ( برحمة وفضل ) ، وفي رواية بشر بن سعيد : ( منه برحمة ) ، وفي رواية
ابن عون : ( بمغفرة ورحمة ) قال أبو عبيد : المراد بالتغمد ، الستر ، وما أظنه إلا مأخوذا من غمد
السيف ، لأنك إذا أغمدت السيف فقد ألبسته الغمد وسترته به .
قال الرافعي : في الحديث أن العامل لا ينبغي أن يتكل على عمله في طلب النجاة وهيل الدرجات ، لأنه
إنما عمل بتوفيق الله ، وإنما ترك المعصية بعصمة الله ، فكل ذلك بفضله ورحمته .
قوله : ( سددوا ) ، في رواية بشر بن سعيد ، عن أبي هريرة عند مسلم : ( ولكن سددوا ) ،
ومعناه : اقصدوا السداد ، أي الصواب ، ومعنى هذه الاستدراك أنه قد يفهم من النفي المذكور نفي فائدة
العمل ، فكأنه قيل : بل له فائدة ، وهو أن العمل علامة على وجود الرحمة التي تدخل العامل الجنة ،
فاعملوا واقصدوا بعملكم الصواب ، أي اتباع السنة من الإخلاص وغيره ليقبل عملكم ، فينزل عليكم
الرحمة . قوله ( قاربوا ) ، أي لا تفرطوا ، فتجهدوا أنفسكم في العبادة ، لئلا يفضي بكم ذلك إلى الملال ،
فتتركوا فتفرطوا .
قوله : ( واغدوا وروحوا وشيئا من الدلجة ) المراد بالغدو السير من أول النهار ، وبالرواح السير من
أول النصف الثاني من النهار ، والدلجة ( بضم المهملة وسكون اللام ويجوز فتحها وبعد اللام جيم ) سير
الليل ، يقال : سار دلجة من الليل ، أي ساعة ، فلذلك قال : شيئا من الدلجة لعسر سير جميع الليل .
فكأنه فيه إشارة إلى صيام جميع النهار ، وقيام بعض الليل ، وإلى أعم من ذلك من سائر أوجه العبادة ،
وفيه إشارة إلى الحث على الترفق في العبادة ، وهو الموافق للترجمة ، وعبر بما يدل على السير ، لأن العابد
كالسائر إلى محل إقامته وهو الجنة . و ( شيئا ) منصوب بفعل محذوف ، أي افعلوا .
قوله : ( والقصد القصد ) ، بالنصب على الاغراء ، أي الزموا الطريق الوسط المعتدل . ( المرجع
السابق ) .