بيعهم ، ورقيقهم ، وملتهم ، ومتواطئهم ، وعلى كل ما تحت أيديهم من قليل أو
كثير ، جوار الله ورسوله ، لا يغير أسقف من أسقفه ، ولا راهب من
رهبانيته ، ولا كاهن من كهانته ، ولا يغير حق من حقوقهم ، ولا سلطانهم ،
ولا مما كانوا عليه ، على ذلك جوار الله ورسوله أبدا ما نصحوا لله أو أصلحوا
غير مثقلين بظلم ولا ظالمين ، وكتب المغيرة بن شعبة .
فلما قبض الأسقف الكتاب استأذن في الانصراف إلى قومه ومن معه ، فأذن
لهم ، فانصرفوا حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم ( 1 ) قال : وقد تقدم حديث يونس بن بكير
في ذكر الكتب النبوية .
قال كاتبه قد وقع في ( صحيحي البخاري ومسلم ) من طريق إسرائيل ،
عن أبي إسحاق ، عن صلة بن زفر ، عن حذيفة - رضي الله تبارك وتعالى
عنه - قال : جاء السيد والعاقب صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن
يلاعناه ، فقال : أحدهما لصاحبه : لا تفعل فوالله إن كان نبيا فلاعننا لا نفلح
نحن ولا عقبنا من بعدنا قالا : إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلا أمينا ،
ولا تبعث معنا إلا أمينا فقال : لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين ، فاستشرف
له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : قم يا أبا عبيدة بن الجراح ، فلما قام قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا أمين هذه الأمة ( 2 ) .
ولهما من طريق شعبة ( 3 ) قال : سمعت أبا إسحاق يحدث عن صلة بن زفر
عن حذيفة - رضي الله تبارك وتعالى عنه - قال : جاء أهل نجران إلى رسول
هامش
( 1 ) ( دلائل البيهقي ) : 5 / 385 - 391 .
( 2 ) ( فتح الباري ) : 8 / 117 ، كتاب المغازي ، باب ( 73 ) قصة أهل نجران ، حديث رقم
( 4380 ) .
( 3 ) ( المرجع السابق ) : حديث رقم ( 4381 ) قوله : جاء السيد والعاقب صاحبا نجران " أما السيد
فكان اسمه الأيهم بتحتانية ساكنة ، ويقال : شرحبيل ، وكان صاحب رحالهم ومجتمعهم
ورئيسهم في ذلك وأما العاقب فاسمه عبد المسيح ، وكان صاحب شورتهم ، وكان معهم أيضا
أبو الحارث ابن علقمة أسقفهم ، وحبرهم ، وصاحب مدارسهم . قال ابن سعد : دعاهم النبي
صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام . وتلا عليهم القرآن فامتنعوا ، فقال : إن أنكرتم ما أقول فهلم
أباهلكم .
فانصرفوا على ذلك .
وفي قصة أهل نجران من الفوائد : أن إقرار الكافر بالنبوة لا يدخله في الإسلام حتى يلتزم
أحكام الإسلام . وفيها جواز مجادلة أهل الكتاب ، وقد تجب إذا تعنيت مصلحته ، وفيها
مشروعية مباهلة المخالف إذا أصر بعد ظهور الحجة . وقد دعا ابن عباس إلى ذلك ثم
الأوزاعي ، ووقع ذلك لجامعة من العلماء من العلماء . ومما عرف بالتجربة أن من باهل
مبطلا لا تمضي عليه من يوم المباهلة . ووقع لي ذلك مع شخص كان يتعصب لبعض
الملاحدة فلم يقم بعدها غير شهرين .
وفيها مصالحة أهل الذمة على ما يراه الإمام من أصناف المال ، ويجري ذلك مجرى ضرب
الجزية عليهم ، فإن كلا منها مال يؤخذ من الكفار على وجه الصغار في كل عام .
وفيها بعث الإمام الرجل العالم الأمين إلى أهل الهدنة في مصلحة الإسلام . وفيها منقبة
ظاهرة لأبي عبيدة بن الجرام - رضي الله تبارك وتعالى عنه - .
وقد ذكر ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عليا إلى أهل نجران ليأتيه بصدقاتهم وجزيهم ، هذه
القصة غير قصة أبي عبيدة ، لأن أبا عبيدة توجه لهم فقبض مال الصلح ورجع ، وعلى أرسله
النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يقبض منهم ما استحق عليهم من الجزية ، ويأخذ ممن أسلم منهم وجب عليه
من الصدقة والله تعالى أعلم . ( فتح الباري ) .
وأخرجه أيضا البيهقي في ( دلائل النبوة ) : 5 / 392 ، باب وفد نجران وشهادة الأساقفة
لنبينا صلى الله عليه وسلم بأنه النبي الذي كانوا ينتظرونه ، وامتناع من امتنع منهم من الأساقفة لنبينا صلى الله عليه وسلم بأنه
النبي الذي كانوا ينتظرونه ، وامتناع من امتنع منهم الملاعنة ، وما ظهر في ذلك من آثار
النبوة ، وكذلك رواه ابن هشام في ( السيرة ) ، وابن سعد في ( الطبقات ) .