من أحسن إليها ، فإذا تقرر لك هذا نظرت هذه الأسباب كلها في حقه صلى الله عليه وسلم ،
فعلمت أنه صلى الله عليه وسلم جامع هذه المعاني الثلاثة الموجبة للمحبة ( 1 ) .
أما جمال الصورة والظاهر ، وكمال الأخلاق والباطن
فقد قررنا منها قبل فيما مر من الكتاب ما لا يحتاج إلى زيادة ( 2 ) .
وأما إحسانه وإنعامه على أمته
فكذلك قد مر منه في أوصاف الله - تعالى - من رأفته بهم ، ورحمته
لهم ، وهدايته إياهم ، وشفقته عليهم ، واستنقاذهم به من النار ، وأنه بالمؤمنين
رؤوف رحيم ، ورحمة للعالمين ، مبشرا ، ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه ،
ويتلو عليهم آياته ، ويزكيهم ، ويعلمهم الكتاب والحكمة ، ويهديهم إلى صراط
مستقيم ، فأي إحسان أجل قدرا ، وأعظم خطرا ، من إحسانه إلى جميع
المؤمنين ، وأي إفضال أعم منفعة ، وأكثر فائدة ، من إنعامه على كافة
المؤمنين ، وداعيهم إلى الفلاح ، والكرامة ، ووسيلتهم إلى ربهم ، وشفيعهم ،
والمتكلم عنهم ، والشاهد لهم ، والموجب لهم البقاء الدائم ، والنعيم السرمد ، فقد
استبان لك أنه صلى الله عليه وسلم مستوجب للمحبة الحقيقة شرعا ، بما قدمناه من صحيح
الآثار ، وعادة وجبله ، بما ذكرناه آنفا لإفاضة الإحسان ، وعمومة الاجمال ،
فإذا كان الإنسان يحب من منحه في دنياه مرة أو مرتين معروفا ، أو استنقذه من
هلكه أو مضرة مدة التأذي بها قليل منقطع ، فمن منحه ما لا يغني من عذاب
الجحيم أولى بالحب ( 3 ) ، وإذا كان يحب بالطبع ملكا لحسن سيرته ، أو حاكما لما
يؤثر من قوام طريقته ، أو قاص بعيد الدار لما يشاد من علمه ، أو كرم
هامش
( 1 ) ( الشفا ) : 2 / 23 - 24 ، فصل في معنى المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم وحقيقتها ، مختصرا .
( 2 ) ( المرجع السابق ) .
( 3 ) كذا في ( الأصل ) وفي ( الشفا ) : " فمن منحه ما لا يبيد من النعيم ، ووقاه ما لا يغني من
عذاب الجحيم " .