اتساع المملكة وكثرة العساكر ، وزيادة الأموال ، لم يكن مثله لملوك فارس
والروم ، والله تعالى يؤتي ملكه من يشاء ، والله واسع عليم .
وأما تأييد الله عز وجل من كان معه الرسول صلى الله عليه وسلم
وتيقن الصحابة ذلك
فخرج البخاري ( 1 ) من حديث حاتم بن إسماعيل ، عن يزيد بن أبي عبيد
قال : سمعت سلمة بن الأكوع قال : مر نبي الله صلى الله عليه وسلم على نفر من أسلم ينتضلون ،
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ارموا بني إسماعيل ، فإن أباكم كان راميا ، وأنا مع بني فلان ،
فأمسك أحد الفريقين بأيديهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما لكم لا ترمون ، قالوا :
هامش
( 1 ) ( فتح الباري ) : 6 / 113 ، كتاب الجهاد والسير ، باب ( 78 ) التحريض على الرمي ، وقول الله
عز وجل : ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم )
[ الأنفال : 60 ] ويستفاد من هذا الحديث أن من صار السلطان عليه في جملة المناضلين له أن لا
يتعرض لذلك كما فعل هؤلاء القوم ، حيث أمسكوا ، لكون النبي صلى الله عليه وسلم مع الفريق الآخر ، خشية أن
يغلبوهم فيكون النبي صلى عليه وسلم مع من وقع عليه الغلب ، فأمسكوا عن ذلك تأدبا معه . وتعقب بأن
المعنى الذي أمسكوا له لم ينحصر في هذا ، بل الظاهر أنهم أمسكوا لما استشعروا من قوة قلوب
أصحابهم بالغلبة حيث صار النبي صلى الله عليه وسلم معهم ، وذلك من أعظم الوجوه المشعرة بالنصر . واستدل
بهذا الحديث على أن اليمن من بني إسماعيل ، وفيه نظر ، لما سيأتي في مناقب قريش من أنه
استدلال بالأخص على الأعم ، وفيه أن الجد الأعلى يسمى أبا ، وفيه التنويه بذكر الماهر في
صناعته ببيان فضله ، وتطيب قلوب من هم دونه ، وفيه حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم ومعرفته بأمور
الحرب ، وفيه الندب إلى اتباع خصال الآباء المحمودة والعمل بمثلها ، وفيه حسن أدب الصحابة
مع النبي صلى الله عليه وسلم .