فولدت له غلاما فمات ، فخرج أبو طلحة إلى حاجته ، فلما كان من الليل جاء
أبو طلحة فأتته امرأته بجفنته ( 1 ) التي كانت تأتيه بها ، ثم طلب منها ما يطلب
الرجل من امرأته ، ثم قال : ما فعل ابني ؟ .
فقالت : يا أبا طلحة ما رأيت كما فعل جيراننا هؤلاء ؟ أنهم استعاروا
عارية فجاء أصحابها يطلبونها ، فأبوا أن يردوها عليهم . قال : بئس ما صنعوا
قالت : فأنت هو ، كان ابنك عارية من الله عز وجل ، وأنه قد مات ، فأتى النبي
صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم بارك لهما في ليلتهما ، فتلقت فولدت
غلاما ، فقال : عباية لقد رأيت لذلك الغلام سبعة بنين كلهم قد قرأ القرآن . قال
البيهقي ( 2 ) : ورواه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس بن مالك
موصولا ( 3 ) .
هامش
( 1 ) كذا في ( الأصل ) ، وفي ( دلائل البيهقي ) : " بتحفته " . وأخرجه البخاري أيضا في كتاب
الجنائز ، باب ( 41 ) من لم يظهر حزنه عند المصيبة ، وقال محمد بن كعب القرظي : الجزع
القول السئ والظن السئ . وقال يعقوب عليه السلام : ( إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ) حديث
رقم ( 1301 ) قال الحافظ في ( الفتح ) : وفي قصة أم سليم هذه من الفوائد أيضا جواز الأخذ
بالشدة وترك الرخصة مع القدرة عليها ، والتسلية عند المصائب ، وتزين المرأة لزوجها ،
وتعرضها لطلب الجماع منه ، واجتهادها في عمل مصالحه ، ومشروعية المعاريض الموهمة إذا
دعت الضرورة إليها ، وشرط جوازها أن لا تبطل حقا لمسلم . وكان الحامل لأم سليم على ذلك
المبالغة في الصبر والتسليم لأمر الله تعالى ، ورجاء إخلافه عليها ما فات منها ، إذ لو أعلمت أبا
طلحة بالأمر في أول الحال تكند عليه وقته ، ولم تبلغ الغرض الذي أرادته ، فلما علم الله صدق
نيتها بلغها مناها ، وأصلح لها ذريتها . وفيها إجابة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن من ترك شيئا عوضه
الله خيرا منه ، وبيان حال أم سليم من التجلد وجودة الرأي وقوة العزم . وقد كانت أم سليم تشهد
القتال ، وتقوم بخدمة المجاهدين إلى غير ذلك مما انفردت به عن معظم النسوة .
( 2 ) ( دلائل البيهقي ) : 6 / 198 - 200 ، باب ما جاء في دعائه صلى الله عليه وسلم بالبركة لحمل أم سليم من أبي
طلحة .
( 3 ) هو الذي كناه النبي صلى الله عليه وسلم بأبي عمير ، فكان صلى الله عليه وسلم يمازحه بقوله : أبا عمير ! ما فعل النغير ؟ وسبق
شرح ذلك الحديث مستوفي .