خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا أيها الناس قد فرض الله الحج فحجوا ، فقال
رجل : أكل عام يا رسول الله ؟ فسكت - حتى قالها ثلاثا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
لو قلت نعم لو جبت ولما استطعتم ، ثم قال : ذروني ما تركتكم فإنما هلك من
كان قبلكم بكثرة سؤالهم ، واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشئ فاتوا منه ما
استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شئ فدعوه .
وخرجه النسائي ( 1 ) من حديث أبي هاشم المغيرة بن سلمة المخزومي ثقة
بصري ، قال : أنبأنا الربيع بن مسلم - إلى آخره بمعناه ، وقال فيه : ولو
وجبت ما قمتم بها ، وقال في آخره فاجتنبوه مكان فدعوه .
هامش
( 1 ) ( سنن النسائي ) : 5 / 116 - 117 ، كتاب مناسك الحج ، باب ( 1 ) وجوب الحج ، حديث رقم
( 2618 ) .
قال الحافظ السندي : قوله : ( في كل عام ) أي هو مفروض على كل إنسان مكلف في
كل سنة ، أو هو مفروض عليه مرة واحدة ( لو قلت نعم لوجبت إلخ ) ، أي لوجب الحج كل
عام وهذا بظاهره يقتضي أن أمر افتراض الحج كل عام كان مفوضا إليه ، حتى لو قال : نعم ،
لحصل وليس بمستبعد ، إذ يجوز أن يأمر الله - تعالى - بالإطلاق ، ويفوض أمر التقييد إلى
الذي فوض إليه البيان ، فهو إن أراد أن يبقيه على الإطلاق يبقيه عليه ، وإن أراد أن يقيده بكل
عام يقيده به ، ثم فيه إشارة إلى كراهة السؤال في النصوص المطلقة والتفتيش عن قيودها ، بل
ينبغي العمل بإطلاقها ، حتى يظهر فيها قيد وقد جاء القرآن موافقا لهذه الكراهة ( ذروني ) أي
اتركوني من السؤال عن القيود في المطلقات ، ( ما تركتكم ) عن التكليف في القيود فيها ،
وليس المراد لا تطلبوا مني العلم ما دام لا أبين بنفسي ( واختلافهم ) عطف على كثرة السؤال ،
إذ الاختلاف وإن قل يؤدي إلى الهلاك ، ويحتمل أنه عطف على سؤالهم فهو إخبار عمن تقدم
بأنه كثر اختلافهم في الواقع فاداهم إلى الهلاك ، وهو لا ينافي أن القليل من الاختلاف مؤد إلى
الفساد ( فإذا أمرتكم إلخ ) يريد أن الأمر المطلق لا يقتضي دوام الفعل ، وإنما يقتضي جنس
المأمور به ، وإنه طاعة مطلوبة ينبغي أن يأتي كل إنسان منه على قدر طاقته وأما النهي
فيقتضي دوام الترك ، والله - تبارك تعالى - أعلم .