تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إمتاع الأسماع — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
الكمال ويجهل وجودها فيه ، فهو في الحقيقة حامد له صلى الله عليه وسلم ، وقد اختص صلى الله عليه وسلم من مسمى الحمد بما لم يجتمع لغيره ، فإنه اسمه محمد ، وأحمد ، وأمته الحامدون يحمدون الله - تعالى - على السراء والضراء ، وصلاته وصلاة أمته مفتتحة بالحمد ، وخطبته مفتتحة بالحمد ، وكتابه مفتتح بالحمد ، هذا كان عند الله - تعالى - في اللوح المحفوظ ، أن خلفاءه وأصحابه يكتبون المصحف مفتتحا بالحمد ، وبيده صلى الله عليه وسلم لواء الحمد يوم القيامة ، ولما يسجد بين يدي الله - تعالى - للشفاعة ، ويؤذن له فيها بحمد ربه ، بمحامد يفتحها عليه حينئذ ، وهو صاحب المقام المحمود الذي يغبطه الأولون والآخرون ، وإذا قام في ذلك المقام حمده حينئذ أهل الموقف كلهم ، مسلمهم وكافرهم ، أولهم وآخرهم ، وهو محمود بما ملأ به الأرض من الهدى والإيمان ، والعلم النافع ، والعمل الصالح ، وفتح به القلوب ، وكشف به الظلمة عن أهل الأرض واستنقذهم من أسر الشياطين ، ومن الشرك والكفر به ، حتى نال به أتباعه شرف الدنيا والآخرة ، فإن رسالته وافت أهل الأرض أحوج ما كانوا إليها ، فإنهم كانوا عباد أو ثان ، وعباد صلبان ، وعباد نيران ، وعباد كواكب ، ومغضوب عليهم ، باءوا بغضب من الله ، وحيران لا يعرف ربا يعبده ، ولا بماذا يعبده ، والناس يأكل بعضهم بعضا ، من استحسن شيئا دعا إليه ، وقاتل من خالفه ، وليس في الأرض موضع قدم مشرقا بنور الرسالة ، وقد نظر الله - تعالى - إلى أهل الأرض ، عربهم وعجمهم ، إلا بقايا على دين صحيح ، وأغاث الله به العباد والبلاد ، وكشف به تلك الظلم ، وأحيا به الخليقة بعد موتها ، وهدى به من الضلالة ، وعلم به الجهالة ، وكثر به من القلة ، وأعز به بعد الذلة ، وأغنى به بعد العيلة ، وفتح به أعينا عميا ، وآذانا صما ، وقلوبا غلفا فعرف الناس ربهم ومصورهم ، غاية مما يمكن أن تناله قواهم من المعرفة ، وأبدى وأعاد ، واختصر وأطنب ، في ذكر أسمائه - تعالى - وصفاته ، وأفعاله وأحكامه ، حتى تجلت معرفته سبحانه في قلوب عباده المؤمنين ، وانجابت سحائب الشك والريب ، كما تنجاب السحاب عن القمر ليله إبداره ، ولم يدع صلى الله عليه وسلم لأمته حاجة في التعريف لا إلى من قبله ولا إلى من بعده ، بل كفاهم وشفاهم ، وأغناهم عن
إمتاع الأسماع — صفحة 172 | المقريزي / محمد عبد الحميد النميسي