تال ( 1 ) ، ومن متردد مرتاب ، لا يدري أيقدم أم يحجم ( 2 ) ، فقال : حسبك ، يا أخاه
همدان ، ألا إن خير شيعتي النمط الأوسط ( 3 ) إليهم يرجع الغالي ، وبهم يلحق التالي .
فقال له الحارث : لو كشفت - فداك أبي وأمي - الرين ( 4 ) عن قلوبنا ، وجعلتنا في ذلك
على بصيرة من أمرنا .
قال عليه السلام : قدك ( 5 ) فإنك امرؤ ملبوس عليك ( 6 ) إن دين الله لا يعرف بالرجال ، بل بآية
الحق ، فاعرف الحق تعرف أهله .
يا حارث إن الحق أحسن الحديث ، والصادع ( 7 ) به مجاهد ، وبالحق أخبرك
هامش
( 1 ) - أي معتدل في المحبة ويتلوك . وفي بعض النسخ ( مقتصد قال ) أي مبغض وفي البحار ، ج 39 :
ص 241 ( أقال ) ، أي أقال البيعة .
( 2 ) - أحجم عنه : كف عنه أو نكص هيبة .
( 3 ) - النمط : جماعة من الناس .
( 4 ) - الرين : الطبع والدنس .
( 5 ) - قد مخففة - حرفية وإسمية ، والإسمية على وجهين : اسم فعل مرادفة ليكفى نحو قولهم : قدني
درهم ، وقد زيدا درهم ، واسم مرادف لحسب .
( 6 ) - أي اختلط الأمر عليك واشتبه ، فان أقدار الرجال في الظاهر وشخصيتهم لا تكون معيارا في
معرفة الدين في جميع الموارد ، ولا توجب صدقهم في جميع المقال والفعال ، لأنهم في مظان الخطأ
والزلل ، بل لابد من أن تعرف الدين والحق والباطل قبل معرفتك بالرجال حتى لا يختلط ولا يلتبس عليك
الأمر ، وأن تعلم أن المعيار هو الدين وحده لا أقدار الرجال ، فوالله ، إن هذا الكلام الشريف أحسن كلام
لمعرفة الحقائق ، فداك أبي وأمي وروحي وجسمي وأولادي يا أمير المؤمنين ، يا ولى الله الأعظم ، إن
كلامك فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق .
وقد جاء نظير هذا الكلام في كتاب الفتنة الكبرى ( على وبنوه ) لطه حسين ( ص 40 ، ط دار المعارف
بمصر ) قال مؤلف الكتاب : ( سأله رجل منهم : أيمكن أن يجتمع الزبير وطلحة وعائشة على باطل ؟ فقال :
( إنك لملبوس عليك ، ان الحق والباطل ليعرفان بأقدار الرجال ؟ اعرف الحق تعرف أهله ، واعرف الباطل
تعرف أهله ) . وما أعرف جوابا أروع من هذا الجواب الذي لا يعصم من الخطأ أحدا مهما تكن منزلته ،
ولا يحتكر الحق لأحد مهما تكن مكانته بعد أن سكت الوحي وانقطع خبر السماء ) .
( 7 ) - الصدع : المجاهر .