الأمور ، انتشار الأخبار في أقطار خطة الإسلام ، وتقرير البيعة من الذين لم
يكونوا في بلد الهجرة ، وكذلك جرى الأمر في إمامة الخلفاء الأربعة .
وعلى أية حال ، فلقد انقسم العلماء فيمن تنعقد بهم الإمامة ، فذهب بعض
العلماء إلى أن الإمامة إنما تنعقد ببيعة اثنين من أهل الحل والعقد ، واشترط
طوائف عدد أكمل البينات في الشرع ، وهو أربعة ، على أن هناك بعض من لا
يعد من أحزاب الأصوليين ، إنما يذهب إلى اشتراط أربعين ، وهو عدد الجمعة ،
عند الإمام الشافعي ، رضي الله عنه .
وهذه المذاهب لا أصل لها من مأخذ الإمامة ، فأما من ذكر اثنين ، إنما
تخيل أن هذا العدد ، أقل الجمع ، فلا بد من اجتماع جمع على البيعة .
ومن شرط أربعة قال : إن الإمامة من أعلى الأمور ، وأرفع الخطوب ،
فيعتبر فيها عدد أعلى البيانات ، ومن ادعى الأربعين ، استمسك بقريب مما
قدمناه ، واعتبر من يقتدي بإمام المسلمين بمن يقتدي بإمام الجمعة .
وهذه المسالك من أضعف طرق الأشباه ، وهي أدون فنون المقاييس في
الشرع ، ولست أرى أن أحكم بها في مواقع الظنون ، ومظان الترجيح والتلويح ،
فما الظن بمنصب الإمامة ؟ ولو تتبع المتتبع الأعداد المعتبرة في مواقع الشرع ،
لم يعدم وجوها " بعيدة عن التحصيل في التشبيه ( 1 ) .
وأقرب المذاهب ما ارتضاه القاضي أبو بكر الباقلاني ( 2 ) عن أبو الحسن
هامش
( 1 ) نفس المرجع السابق ص 67 - 69 .
( 2 ) الباقلاني : هو القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم ، المعروف
بالباقلاني ، كان على مذهب أبي الحسن الأشعري ، مؤيدا " اعتقاده ، ناصرا " طريقته ، سكن بغداد ،
وصنف التصانيف الكثيرة المشهورة في علم الكلام ، توفي لسبع بقين من ذي القعدة عام 403 ه ،
وأشهر مؤلفاته إعجاز القرآن وانظر عن ترجمته ( وفيات الأعيان 4 / 269 - 270 ، تاريخ بغداد
5 / 379 ، شذرات الذهب 3 / 168 ، العبر للذهبي 3 / 86 ، الوافي 3 / 177 ، المنتظم 7 / 265 ) .