وقد شذ بعض الناس ، فقال بعدم وجود هذا النصب رأسا " ، لا بالعقل ولا
بالشرع ، ومنهم الأصم من المعتزلة وبعض الخوارج وغيرهم ، والواجب عند
هؤلاء ، إنما هو إمضاء لحكم الشرع ، فإذا تواطأت الأمة على العدل ، وتنفيذ
أحكام الله تعالى ، لم يحتج إلى إمام ، ولا يجب نصبه ، وهؤلاء محجوجون
بالإجماع ( 1 ) .
هذا ويقول القلقشندي ( 756 - 821 ه ) : اختلف العلماء في أصل وجوب
الإمامة ( 2 ) ، فذهب قوم إلى أن وجوبها ثابت بالعقل ، لما في طباع العقلاء من
التسليم لزعيم يمنعهم من التظالم ، ويفصل بينهم عند التنازع ، ولولا ذلك لكانوا
فوضى مهملين ، وقد قال الأفوه الأودي - وهو شاعر جاهلي - :
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم * ولا سراة إذا جهالهم سادوا ( 3 )
وذهب آخرون إلى أنها إنما وجبت بالشرع ، ولا أثر للعقل في ذلك ، لأن
الإمام إنما يقوم بأمور شرعية ، كان يجوز في العقل أن لا يرد التعبد بها ، فلم
يكن العقل موجبا " لها .
هامش
( 1 ) مقدمة ابن خلدون ص 191 - 192 ( دار القلم - بيروت 1981 ) .
( 2 ) القلقشندي : هو القاضي شهاب الدين أحمد بن علي بن أحمد القلقشندي الشافعي ، ولد في
عام 756 ه ( 1353 م ) في قرية قلقشندة مركز قليوب بمحافظة القليوبية ، واشتغل بالفقه وغيره ،
ومهر في الأدب ، وبرع في العربية نظما " ونثرا " وكتب في الإنشاء ، وناب في الحكم ، وعاش
مفضالا " وقورا " ، وكان متواضعا " ، ذا مروءة ، إلى أن توفي يوم السبت عاشر جمادى الآخرة
سنة 821 ه ( 1418 م ) ، وأما أشهر مؤلفاته فهي صبح الأعشى في صناعة الإنشا ، وقد أورد فيه
ما يحتاجه الكاتب من الفنون والعلوم ، فهو دائرة معارف تنتظم كل ما كان يعرفه معاصروه ، وله
قيمته الكبيرة فيما يتصل بتاريخ مصر والشام وجغرافيتهما ، كما ألف القلقشندي أيضا " نهاية
الأرب في معرفة قبائل العرب ثم كتابه الذي نرجع إليه الآن في موضوع الخلافة وعنوانه مآثر
الإنافة في معالم الخلافة ، وقام بتحقيقه عبد الستار أحمد فراج ، ونشرته وزارة الإرشاد الكويتية
في ثلاثة أجزاء - عام 1964 ، وأما أصل القلقشندي فهو عربي من قبيلة فزارة من ذبيان من
غطفان ، وانظر عنه ( عبد اللطيف حمزة : القلقشندي ( رقم 12 من أعلام العرب ) ، شذرات الذهب
7 / 149 ، مقدمة كتبه ) .
( 3 ) ديوان الأفوه : الطرائف الأدبية ص 12 .