ويقول القرطبي : إن الإمام إنما نصب لدفع العدو ، وحماية البيضة ، وسد
الخلل ، واستخراج الحقوق وإقامة الحدود ، وجباية الأموال لبيت المال ،
وقسمتها على أهلها ( 1 ) .
ويقول ابن تيمية : يجب أن يعرف أن ولاية الناس من أعظم واجبات
الدين ، بل لا قيام للدين إلا بها ، فإن بني آدم لا تتم مصالحهم إلا بالاجتماع
لحاجة بعضهم إلى بعض ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس ( 2 ) ، حتى قال النبي
صلى الله عليه وسلم : إذا خرج ثلاثة من سفر ، فليؤمروا أحدهم - رواه أبو داود عن نافع عن
أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري - ( 3 ) .
وروى أبو داود أيضا " عن نافع عن أبي سلمة عن أبي هريرة ، أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا كان ثلاثة في سفر ، فليؤمروا أحدهم ، قال نافع : فقلنا
لأبي سلمة : فأنت أميرنا ( 4 ) .
ومن ثم فقد أوجب النبي صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض
في السفر ، تنبيها " بذلك على سائر أنواع الاجتماع ، ولأن الله تعالى أوجب الأمر
بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة ، وكذلك سائر ما
أوجبه - من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ، ونصر المظلوم -
وإقامة الحدود ، لا تتم إلا بالقوة والإمارة .
ومن ثم فقد روى أن السلطان ظل الله في الأرض ( 5 ) ، كما قيل : ستون
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ص 232 .
( 2 ) ابن تيمية : السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية ص 160 ( مطبوعات الجامعة الإسلامية
بالمدينة المنورة - 1379 ه / 1960 ) .
( 3 ) سنن أبي داود 2 / 34 ( ط الحلبي - القاهرة 1952 ) .
( 4 ) سنن أبي داود 2 / 34 .
( 5 ) يجب أن يكون واضحا " أن هذا لا يعني أبدا " ، أن الخلافة الإسلامية إنما كانت تمثل حكومة
ثيوقراطية ( دينية ) ، كما أنها لم تكن حكومة أرستقراطية ( حكومة الخاصة ) ولا حكومة ديمقراطية ( حكومة الشعب ) ، وإنما كانت حكومة شورى ، والخليفة فيها حاكم سياسي يجمع بين السلطتين
الزمنية والدينية أو الروحية ، ولا تتعدى وظيفته الدينية المحافظة على الدين ، ويستطيع باعتباره
حامي الدين أن يعلن الحرب على الكفار ، ويعاقب الخارجين على الدين ، ويؤم الناس في
الصلاة ، ويلقي خطبة الجمعة ، كما أن الخليفة لم يكن يستمد سلطة الحكم من الله تعالى ، بل من
الذين بايعوه ، وقد انقضى نزول الوحي ، منذ اختار الله رسوله إليه ، وبقي كتاب الله بين المسلمين
هدى لهم جميعا " وحجة عليهم جميعا " ، فهو ميثاقهم الذي آمنوا به وارتضوه ، وهو دستور الحكم ،
يسير الحاكم في حدوده لا يتعداه ، فإن فعل وجبت طاعته ، وإلا فلا طاعة له على مسلم .
وهكذا فحكومة الإسلام لم تعرف السلطان المطلق ، ولم يكن للكهنة وجود فيها ، ولا يمكن
أن تكون حكومة ثيوقراطية اللون ، وهي لم تكن حكومة أرستقراطية ، ولم يكن استئثار المهاجرين
والأنصار باختيار الخليفة من الأرستقراطية في شئ ، فقد كان هؤلاء رجالات من طبقات شتى ،
وهم إنما استأثروا بالأمر ، صونا " للنظام القائم ، ودفاعا " عنه : ثم إنهم كانوا طبقة مؤقتة تزول
بزوال أفرادها ، لا يرثها أحد ، ولا تقوم مقامها طبقة أخرى ، كما أنها لم تكن حكومة ديمقراطية
( حكومة الشعب ) لأن الشعب لا يملك أن يقرر ما يشاء ، إن كان ما يشاء يتعارض مع كتاب الله ،
وسنة رسوله ، ومن ثم فهي حكومة شورى بين المسلمين ، الناس فيها سواسية كأسنان المشط ،
ورأسها الأعلى يعلن أطيعوني ما أطعت الله ورسوله ، فإن عصيت الله ورسوله ، فلا طاعة لي
عليكم ( حسن إبراهيم : تاريخ الإسلام السياسي 1 / 429 د محمد حسين هيكل الصديق أبو بكر
ص 335 ، 337 ) .