دان بالتقية ، وتوسل بها ( 1 ) ، والذي دعا الخوارج إلى التقية ، الكره والحقد
المتبادل بينهم وبين جماعة المسلمين ، حتى كان اصطياد الخارجي يعني القضاء
عليه ، وقد قاتلهم سيدنا الإمام علي بن أبي طالب حتى كاد أن يبيدهم ، ولكنهم
كانوا لا ينفذون حتى يملأوا الشعاب والجبال من جديد ، ومن هنا تعلقوا بالتقية
حفاظا " على حياتهم ، وخلاصا " من الفناء . ويذهب الشهرستاني ( 479 - 548 ه )
إلى أن التقية إنما قد تسببت في انقسام الخوارج ( 2 ) ، وذلك أن نافع بن
الأزرق ( 3 ) كان يكفر القاعدين عن الحرب ، وكان يقول : التقية لا تحل ،
هامش
( 1 ) اجنتس جولدتسيهر : العقيدة والشريعة في الإسلام ص 180 ( ترجمة محمد يوسف موسى وآخرين
- القاهرة 1946 ) .
( 2 ) يقول أبو الحسن الأشعري في كتاب : ( مقالات الإسلاميين 1 / 88 ) : وكان سبب الاختلاف الذي
أحدثه نافع أن امرأة عربية من اليمن كانت ترى رأي الخوارج تزوجت رجلا " من الموالي برأيها ،
فقال لها أهلها : فضحتينا ، فأنكرت ذلك ، فلما جاء زوجها ، قالت : إن أهل بيتي وبني عمي قد
بلغهم أمري ، وأنا خائفة أن أكره على تزويج بعضهم ، فاختر مني إحدى ثلاث خصال : إما أن
تهاجر إلى عسكر نافع حتى تكون مع المسلمين في حوزهم ودارهم ، وإما أن تخبأني حيث
شئت ، وإما أن تخلي سبيلي ، فخلى سبيلها ، ثم إن أهلها استكرهوها فزوجوها ابن عم لها ، لم
يكن على رأيها ، فكتب بمن بحضرتها إلى نافع بن الأزرق يسألونه عن ذلك ، فقال رجل
منهم : إنها لم يسعها ما صنعت ، ولا وسع زوجها ما صنع من قبل هجرتها ، لأنه كان ينبغي
لهما أن يلحقا بنا ، لأننا اليوم بمنزلة المهاجرين بالمدينة ، ولا يسع أحدا " من المسلمين التخلف
عنا ، كما لم يسع التخلف عنهم ، فتابعه على قوله نافع بن الأزرق وأهل عسكره ، إلا نفرا "
يسيرا " ، وزعمت الأزارقة أن من أقام في دار الكفر ، فهو كافر لا يسعه إلا الخروج .
وقال المبرد في الكامل ( 3 / 131 ) جاء مولى لبني هاشم إلى نافع فقال له : إن أطفال
المشركين في النار ، وإن من خلفنا مشرك ، فدماء هؤلاء الأطفال لنا حلال ، قال له نافع : كفرت
وأدللت بنفسك ، قال : إن لم آتك بهذا من كتاب الله فاقتلني . ( قال نوح : رب لا تذر على
الأرض من الكافرين ديارا " ، إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ، ولا يلدوا إلا فاجرا " كفارا " ) . فهذا أمر
الكافرين ، وأمر أطفالهم ، فشهد نافع أنهم جميعا " في النار ، ورأى قتلهم ، وقال : الدار دار كفر ،
إلا من أظهر إيمانه ، ولا يحل أكل ذبائحهم ولا تناكحهم ، ولا توارثهم ، ومن جاء منهم جار ،
فعلينا أن نمتحنه ، وهم ككفار العرب ، لا نقبل منهم إلا الإسلام أو السيف ، والقعد بمنزلتهم ،
والتقية لا تحل ، فنفر جماعة من الخوارج عنه ، منهم نجدة بن عامر ، واحتج بقول الله تعالى :
* ( إلا أن تتقوا منهم تقاة ) * ( الشهرستاني 1 / 119 ) .
( 3 ) هو أبو راشد نافع بن الأزرق بن قيس بن نهار ، أحد بني حنيفة ، كان أول خروجه بالبصرة في
عهد عبد الله بن الزبير ، وفي عام 65 ه اشتدت شوكته حتى قتل في جمادى الآخرة ( خطط
المقريزي 2 / 354 ، الكامل لابن الأثير 4 / 81 ، الكامل للمبرد 2 / 171 ، 180 ، شرح نهج
البلاغة 1 / 380 ) .