وقد قدم لنا العلامة المفسر القرطبي معظم آراء العلماء في تفسير الآية
الكريمة ، وقد نزلت هذه الآية في عمار بن ياسر في قول أهل التفسير ، لأنه
قارب بعض ما ندبوه إليه ، قال ابن عباس : أخذه المشركون ، وأخذوا أباه وأمه
سمية ، وبلالا " وخبابا " وسالما " فعذبوهم ، وربطت سمية بين بعيرين ، ووجئ قبلها
بحربة ، وقيل لها : إنك أسلمت من أجل الرجال ، فقتلت وقتل زوجها ياسر ،
وهما أول قتيلين ( شهيدين ) في الإسلام ، وأما عمار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه
مكرها " ، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف تجد
قلبك ؟ ، قال : مطمئن بالإيمان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإن عادوا فعد .
وروى الترمذي عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خير عمار بين
أمرين ، إلا اختار أرشدهما ، وفي هذا دليل على أن التقية التي اختارها عمار
كانت أرشد هنا .
ويقول القرطبي : لما سمح الله عز وجل بالكفر به - وهو أصل الشريعة -
عند الإكراه ، ولم يؤاخذ به ، حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلها ، فإذا وقع
الإكراه عليها ، لم يؤاخذ به ، ولم يترتب عليه حكم ، وبه جاء الأثر المشهور عن
النبي صلى الله عليه وسلم رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه .
هذا وقد أجمع العلماء على أن من أكره على الكفر ، حتى خشي على
نفسه القتل ، أنه لا إثم عليه ، إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان ، ولا تبين منه
زوجته ، ولا يحكم عليه بحكم الكفر ، وهذا ما قال به مالك والكوفيون
والشافعي - غير محمد بن الحسن ( 1 ) - بدليل قول الله تعالى : * ( إلا من أكره ) *
وقوله تعالى : * ( إلا أن تتقوا منهم تقاة ) * ( 2 ) ، وقوله تعالى : * ( إلا المستضعفين من
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ص 3796 - 3798 .
( 2 ) سورة آل عمران : آية 28 ، وانظر : تفسير الطبري 6 / 313 - 317 ، تفسير ابن كثير 1 / 535 ،
تفسير النسفي 1 / 152 - 153 ، تفسير الزمخشري 1 / 140 ، تفسير القرطبي ص 1299 - 1300 ،
تفسير المنار 3 / 227 - 233 ، أحمد أمين : فجر الإسلام ص 274 ، ضحى الإسلام 3 / 246
- 247 .