وفي صحيح البخاري : أن الأئمة إنما كانوا - بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء
في الأمور المباحة ، ليأخذوا بأسهلها ، فإذا وضح الكتاب والسنة لم يتعدوه إلى
غيره ، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم :
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب القضاء : كان أبو بكر
الصديق ، إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى ، فإن وجد فيه ما يقضي
به ، قضى به ، فإن أعياه ذلك ، سأل الناس : هل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قضى
فيه بقضاء ؟ فربما قام إليه القوم فيقولون : قضى فيه بكذا وكذا ، فإن لم يجد سنة
سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، جمع رؤساء الناس فاستشارهم ، فإذا اجتمع رأيهم على
شئ قضى به ، وكان عمر يفعل ذلك .
هذا وتجد هذه السنة في وصية عمر بن الخطاب ، رضي الله عنهم ، إلى
القاضي شريح بن الحارث - وهو من أشهر القضاة الفقهاء في صدر الإسلام -
حين ولاه قضاء الكوفة ، فقال له : أنظر ما يتبين لك في كتاب الله ، فلا تسأل
عنه أحدا " ، وما لم يتبين لك في كتاب الله ، فاتبع فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما لم
يتبين لك فيه السنة ، فاجتهد فيه رأيك .
وهكذا ، فحكومة مثل هذه ، لم تعرف السلطان المطلق ، ولم يكن للكهنة
وجود فيها ، لا يمكن أن تكون حكومة ثيوقراطية اللون ، ذلك لأن الإسلام لا
يعرف الكهانة ، ولا الكهان ، بل لا يعرف الإسلام ما عرف في الديانات الأخرى
باسم رجل الدين ، وإنما عرف الفقهاء الذين يفسرون الدين ، وليس
المشرعين في الدين .
هذا ولم تكن الخلافة الإسلامية كذلك حكومة أرستقراطية ، ولم يكن
استئثار المهاجرين والأنصار - في صدر الإسلام - باختيار الخليفة من
الأرستقراطية في شئ ، فقد كان هؤلاء رجالات من طبقات شتى ، وهم إنما
استأثروا بالأمر ، صونا " للنظام القائم ، ودفاعا " عنه ، ثم إنهم إنما كانوا طبقة مؤقتة
زول بزوال أفرادها ، لا يرثها أحد ، ولا تقوم مقامها طبقة أخرى .
الإمامة وأهل البيت — صفحة 10
مساهمون: محمد بيومي مهران
ص١٠