فليس هنا أصل يرفعه ، ولأجل ذلك لا يكون قول المحدس حجة الا لنفسه .
والمقام من هذا القبيل ، فإن المشايخ لم يروا بأعينهم ولم يسمعوا
بآذانهم صدور روايات كتبهم ، وتنطق أئمتهم بها ، وإنما انتقلوا إليه عن قرائن
وشواهد جرتهم إلى الاطمئنان بالصدور ، وهو إخبار عن الشئ بالحدس ، ولا
يجري في مثله أصالة عدم الخطأ ولا يكون حجة في حق الغير .
وإن شئت قلت : ليس الانتقال من تلك القرائن إلى صحة الروايات
وصدورها أمرا يشترك فيه الجميع أو الأغلب من الناس ، بل هو أمر تختلف فيه
الانظار بكثير ، فرب إنسان تورثه تلك القرائن اطمئنانا في مقابل إنسان آخر ، لا
تفيده إلا الظن الضعيف بالصحة والصدور ، فإذن كيف يمكن حصول الاطمئنان
لأغلب الناس بصدور جميع روايات الكتب الأربعة التي يناهز عددها ثلاثين ألف
حديث ، وليس الاخبار عن صحتها كالاخبار عن عدالة إنسان أو شجاعته ، فإن
لهما مبادئ خاصة معلومة ، يشترك في الانتقال عنها إلى ذينك الوصفين أغلب
الناس أو جميعهم ، فيكون قول المخبر عنهما حجة وإن كان الاخبار عن
حدس ، لأنه ينتهي إلى مبادئ محسوسة ، وهي ملموسة لكل من أراد أن
يتفحص عن أحوال الانسان . ولا يلحق به الاخبار عن صحة تلك الروايات ،
مستندا إلى تلك القرائن التي يختلف الناس في الانتقال عنها إلى الصحة إلى
حد ربما لا تفيد لبعض الناس إلا الظن الضعيف . وليس كل القرائن من قبيل
وجود الحديث في كتاب عرض على الامام ونظيره ، حتى يقال إنها من القرائن
الحسية ، بل أكثرها قرائن حدسية .
فان قلت : فلو كان إخبارهم عن صحة كتبهم حجة لأنفسهم دون
غيرهم ، فما هو الوجه في ذكر هذه الشهادات في ديباجتها ؟
قلت : إن الفائدة لا تنحصر في العمل بها ، بل يكفي فيها كون هذا
الاخبار باعثا وحافزا إلى تحريك الغير لتحصيل القرائن والشواهد ، لعله يقف
كليات في علم الرجال — صفحة 50
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٥٠