فلما وصله الكتاب ، استدعى جماعة من أئمة الحديث فدعاهم إلى
ذلك ، فامتنعوا فتهددهم بالضرب وقطع الارزاق فأجاب أكثرهم
مكرهين . واستمر على الامتناع الإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح ،
فحملا على بعير محمل واحد مقيد بين متعادلين .
فلما كان ببلاد الرحبة جاءهما رجل من الاعراب من عبادهم . يقال
له جابر بن عمر فسلم على الامام وقال له :
يا هذا إنك وافد الناس فلا تكن شؤما عليهم ، وإنك رأس الناس
اليوم ، فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه فيجيبوا ، فتحمل أوزارهم يوم
القيامة . وإن كنت تحب الله فاصبر على ما أنت فيه فإنه ما بينك وبين
الجنة إلا أن تقتل . وإنك إن لم تقتل تمت ، إن عشت عشت حميدا .
قال الامام : وكان كلامه مما قوى عزمي على ما أنا فيه من الامتناع .
فلما اقتربا من جيش الخلافة ونزلوا دونه بمرحلة جاء خادم وهو يمسح
دموعه بطرف ثوبه ويقول :
يعز علي يا أبا عبد الله أن المأمون قد سل سيفا لم يسله قبل ذلك ،
وأنه يقسم بقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم : لئن لم تحبه إلى القول بخلق القرآن
ليقتلنك بذلك السيف .
قال : فجثى الإمام أحمد على ركبتيه ورمق بطرفه إلى السماء وقال :
سيدي غر حلمك هذا الفاجر حتى تجرأ على أوليائك بالضرب والقتل .
اللهم فإن يكن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤنته .
قال : فجاءهم الصريخ بموت المأمون في الثلث الأخير من الليل .
قال أحمد : ففرحنا ، ثم جاء الخير بأن المعتصم قد ولي الخلافة وقد
العلل — صفحة 70
مساهمون: الإمام أحمد بن حنبل
ص٧٠