كتابي ، فأنزلهم الحر على غير ماء ، ولا في قرية ، وذلك في يوم الخميس ثاني المحرم ،
فلما كان من الغد قدم عمر بن سعد من الكوفة في أربعة آلاف ، وكان عبيد الله قد ولى
عمر بن سعد الري ، فلما عرض أمر الحسين قال له : اكفني أمر هذا الرجل ، ثم اذهب
إلى عملك . فقال : أعفني فأبى . قال : أنظرني الليلة ، فأخره فأنظر في أمره ، [ ثم أصبح ]
راضيا . فبعث إلى الحسين رجلا يقول له : ما جاء بك ؟ فقال : كتب إلي أهل مصركم ،
فإذا كرهتموني فإني أنصرف عنكم . وجاء كتاب عبيد الله إلى عمر : حل بين الحسين
وأصحابه وبين الماء كما صنع بعثمان . فقال : اختاروا مني واحدة من ثلاث : إما أن
تدعوني فألحق بالثغور أو أذهب إلى يزيد ( 1 ) ، أو أنصرف من حيث جئت . فقبل ذلك
هامش
( 1 ) قال الأستاذ عباس محمود العقاد في ( المجموعة الكاملة - العبقريات الاسلامية ) ج 2 ص 220 ط
دار الكتاب اللبناني بيروت قال :
تلقى ابن زياد من عمر بن سعد كتابا يقول فيه إن الحسين أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي
أقبل منه أو أن نسيره إلى أي ثغر من الثغور شئنا ، أو أن يأتي يزيد فيضع يده في يده . والذي نراه
نحن من مراجعة الحوادث والأسانيد أن الحسين ربما اقترح الذهاب إلى يزيد ليرى رأيه ، ولكنه لم
يعدهم أن يبايعه أو يضع يده في يده . . لأنه لو قبل ذلك لبايع في مكانه واستطاع عمر بن سعد أن
يذهب به إلى وجهته ، ولأن أصحاب الحسين في خروجه إلى العراق قد نفوا ما جاء في ذلك الكتاب
ومنهم عقبة بن سمعان حيث كان يقول : صحبت الحسين من المدينة إلى مكة ومن مكة إلى العراق ،
ولم أفارقه حتى قتل وسمعت جميع مخاطباته إلى الناس إلى يوم قتله . . فوالله ما أعطاهم ما يزعمون
من أن يضع يده في يد يزيد ولا أن يسيروه إلى ثغر من الثغور ، ولكنه قال : دعوني أرجع إلى المكان
الذي أقبلت منه أو دعوني أذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر إلى ما يصير إليه أمر الناس .
ولعل عمر بن سعد قد تجوز في نقل كلام الحسين عمدا ليأذنوا له في حمله إلى يزيد فيلقى عن
كاهله مقاتلته وما تجر إليه من سوء القالة ووخز الضمير ، أو لعل الأعوان الأمويين قد أشاعوا عن
الحسين اعتزامه للمبايعة ليلزموا بالبيعة أصحابه من بعده ، ويسقطوا حجتهم في مناهضة الدولة
الأموية . . وأيا كانت الحقيقة في هذه الدعوى فهي تكبر مأثمة عبيد الله وشمر ولا تنقص منها . ولقد
كانا على العهد بمثليهما . . كلاهما كفيل أن يحول بين صاحبه وبين خالجة من الكرم تخامره أو تغالب
اللؤم الذي فطر عليه ، فلا يصدر منهما إلا ما يوائم لئيمين لا يتفقان على خير . .
وكأنما جنح عبيد الله إلى شئ من الهوادة حين جاءه كتاب عمر بن سعد ، فابتدره شمر ينهاه
ويجنح إلى الشدة والاعتساف ، فقال له : أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك وإلى جنبك ! والله لئن رحل
من بلادك ولم يضع يده في يدك ليكونن أولى بالقوة والعزة ولتكونن أولى بالضعف والعجز . . فلا
تعطه هذه المنزلة ، ولكن لينزل على حكمك هو وأصحابه ، فإن عاقبت كنت ولي العقوبة ، وإن
عفوت كان ذلك لك .
ثم أراد أن يوقع بعمر ويتهمه عند عبيد الله ليخلفه في القيادة ثم يخلفه في الولاية ، فذكر لعبيد الله
أن الحسين وعمر يتحدثان عامة الليل بين المعسكرين . . فعدل عبيد الله إلى رأي شمر وأنفذه بأمر
منه أن يضرب عنق عمر إن هو تردد في إكراه الحسين على المسير إلى الكوفة أو مقاتلته حتى يقتل .
وكتب إلى عمر يقول له : أما بعد : فإني لم أبعثك إلى الحسين لتكف عنه ولا لتمنيه السلامة والبقاء ولا
لتطاوله ولا لتعتذر عنه ولا لتقعد له عندي شافعا . . انظر فإن نزل الحسين وأصحابه على الحكم
واستسلموا فابعث بهم إلي مسلما ، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم ، فإنهم لذلك
مستحقون ، فإن قتل الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره فإنه عاق مشاق قاطع ظلوم . . فإن أنت
مضيت لأمرنا جزيناك جزاء السامع المطيع ، وإن أنت أبيت فاعتزل جندنا وخل بين شمر بن ذي
الجوشن وبين العسكر والسلام .
وختمت مأساة كربلاء كلها بعد أيام معدودات . .
ولكنها أيام بقيت لها جريرة لم يحمدها طالب منفعة ولا طالب مروءة ، ومضت مئات السنين
وهي لا تمحو آثار تلك الأيام في تاريخ الشرق والاسلام . .