تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح إحقاق الحق — صفحة 655

مساهمون:

ص٦٥٥
كتابي ، فأنزلهم الحر على غير ماء ، ولا في قرية ، وذلك في يوم الخميس ثاني المحرم ، فلما كان من الغد قدم عمر بن سعد من الكوفة في أربعة آلاف ، وكان عبيد الله قد ولى عمر بن سعد الري ، فلما عرض أمر الحسين قال له : اكفني أمر هذا الرجل ، ثم اذهب إلى عملك . فقال : أعفني فأبى . قال : أنظرني الليلة ، فأخره فأنظر في أمره ، [ ثم أصبح ] راضيا . فبعث إلى الحسين رجلا يقول له : ما جاء بك ؟ فقال : كتب إلي أهل مصركم ، فإذا كرهتموني فإني أنصرف عنكم . وجاء كتاب عبيد الله إلى عمر : حل بين الحسين وأصحابه وبين الماء كما صنع بعثمان . فقال : اختاروا مني واحدة من ثلاث : إما أن تدعوني فألحق بالثغور أو أذهب إلى يزيد ( 1 ) ، أو أنصرف من حيث جئت . فقبل ذلك
هامش
( 1 ) قال الأستاذ عباس محمود العقاد في ( المجموعة الكاملة - العبقريات الاسلامية ) ج 2 ص 220 ط دار الكتاب اللبناني بيروت قال : تلقى ابن زياد من عمر بن سعد كتابا يقول فيه إن الحسين أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي أقبل منه أو أن نسيره إلى أي ثغر من الثغور شئنا ، أو أن يأتي يزيد فيضع يده في يده . والذي نراه نحن من مراجعة الحوادث والأسانيد أن الحسين ربما اقترح الذهاب إلى يزيد ليرى رأيه ، ولكنه لم يعدهم أن يبايعه أو يضع يده في يده . . لأنه لو قبل ذلك لبايع في مكانه واستطاع عمر بن سعد أن يذهب به إلى وجهته ، ولأن أصحاب الحسين في خروجه إلى العراق قد نفوا ما جاء في ذلك الكتاب ومنهم عقبة بن سمعان حيث كان يقول : صحبت الحسين من المدينة إلى مكة ومن مكة إلى العراق ، ولم أفارقه حتى قتل وسمعت جميع مخاطباته إلى الناس إلى يوم قتله . . فوالله ما أعطاهم ما يزعمون من أن يضع يده في يد يزيد ولا أن يسيروه إلى ثغر من الثغور ، ولكنه قال : دعوني أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه أو دعوني أذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر إلى ما يصير إليه أمر الناس . ولعل عمر بن سعد قد تجوز في نقل كلام الحسين عمدا ليأذنوا له في حمله إلى يزيد فيلقى عن كاهله مقاتلته وما تجر إليه من سوء القالة ووخز الضمير ، أو لعل الأعوان الأمويين قد أشاعوا عن الحسين اعتزامه للمبايعة ليلزموا بالبيعة أصحابه من بعده ، ويسقطوا حجتهم في مناهضة الدولة الأموية . . وأيا كانت الحقيقة في هذه الدعوى فهي تكبر مأثمة عبيد الله وشمر ولا تنقص منها . ولقد كانا على العهد بمثليهما . . كلاهما كفيل أن يحول بين صاحبه وبين خالجة من الكرم تخامره أو تغالب اللؤم الذي فطر عليه ، فلا يصدر منهما إلا ما يوائم لئيمين لا يتفقان على خير . . وكأنما جنح عبيد الله إلى شئ من الهوادة حين جاءه كتاب عمر بن سعد ، فابتدره شمر ينهاه ويجنح إلى الشدة والاعتساف ، فقال له : أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك وإلى جنبك ! والله لئن رحل من بلادك ولم يضع يده في يدك ليكونن أولى بالقوة والعزة ولتكونن أولى بالضعف والعجز . . فلا تعطه هذه المنزلة ، ولكن لينزل على حكمك هو وأصحابه ، فإن عاقبت كنت ولي العقوبة ، وإن عفوت كان ذلك لك . ثم أراد أن يوقع بعمر ويتهمه عند عبيد الله ليخلفه في القيادة ثم يخلفه في الولاية ، فذكر لعبيد الله أن الحسين وعمر يتحدثان عامة الليل بين المعسكرين . . فعدل عبيد الله إلى رأي شمر وأنفذه بأمر منه أن يضرب عنق عمر إن هو تردد في إكراه الحسين على المسير إلى الكوفة أو مقاتلته حتى يقتل . وكتب إلى عمر يقول له : أما بعد : فإني لم أبعثك إلى الحسين لتكف عنه ولا لتمنيه السلامة والبقاء ولا لتطاوله ولا لتعتذر عنه ولا لتقعد له عندي شافعا . . انظر فإن نزل الحسين وأصحابه على الحكم واستسلموا فابعث بهم إلي مسلما ، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم ، فإنهم لذلك مستحقون ، فإن قتل الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره فإنه عاق مشاق قاطع ظلوم . . فإن أنت مضيت لأمرنا جزيناك جزاء السامع المطيع ، وإن أنت أبيت فاعتزل جندنا وخل بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر والسلام . وختمت مأساة كربلاء كلها بعد أيام معدودات . . ولكنها أيام بقيت لها جريرة لم يحمدها طالب منفعة ولا طالب مروءة ، ومضت مئات السنين وهي لا تمحو آثار تلك الأيام في تاريخ الشرق والاسلام . .
شرح إحقاق الحق — صفحة 655 | السيد شهاب الدين المرعشي النجفي / السيد محمود المرعشي