تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح إحقاق الحق — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥
هامش
فضج الناس بالبكاء ، ومضى عمر محزونا مغلوبا على أمره ، فأتى أبا بكر وسأله أن ينطلق معه إلى الزهراء لعلهما يحاولان استرضاءها . . . واستأذنا عليها فلم تأذن لهما ، حتى جاء علي وأدخلهما فسلما ، لكنها أشاحت بوجهها عنهما واستدارت إلى الحائط معرضة مغضبة . . . واستطاع أبو بكر رضي الله عنه أن يجد صوته ويقول : يا حبيبة رسول الله ، والله إن قرابة رسول الله أحب إلي من قرابتي ، وإنك لأحب إلي من عائشة ابنتي ، ولوددت يوم مات أبوك أني مت ولا أبقى بعده ، أفتراني أعرفك ، وأعرف فضلك وشرفك ، وأمنعك حقك وميراثك من رسول الله ، إلا أني سمعته صلى الله عليه وسلم يقول : لا نورث ، ما تركنا صدقة ! . . . فقالت فاطمة : أرأيتكما إن حدثتكما حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تعرفانه وتعملان به ؟ قالا : نعم . . . قالت : نشدتكما الله ، ألم تسمعا رسول الله يقول : رضى فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة من سخطي ، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني ، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني ؟ . . أجابا : بلى ، سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم . . . قالت : فإني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن لقيت رسول الله لأشكوكما إليه . . . فارتاعا لما سمعا ، وخرج أبو بكر إلى الناس والدمع ينساب من مقلتيه ، فسألهم أن يقيلوه من بيعتهم ، لكنهم أبوا حتى لا تكون فتنة ! . . . ولا يذكر المؤرخون - فيما قرأت - أن الزهراء قد حاولت بعد ذلك أن تسترجع ما فات ، وإنما الذي وعاه التاريخ أنها أسلمت نفسها للحزن ، فلم تر قط منذ مات أبوها صلى الله عليه وسلم ، إلا محزونة باكية . . . وعز العزاء وغلب الصبر ، ولم يبق لها من رجاء إلا أن تلحق بأبيها كما بشرها قبل الرحيل . . . وما أسرع ما لحقت به ! . . . أصبحت يوم الاثنين ، الثاني من رمضان سنة إحدى عشرة ، فعانقت أهلها وملأت ، عينيها منهم ، ثم دعت إليها أم رافع مولاة أبيها عليه الصلاة والسلام ، فقالت لها بصوت واهن خفيض : يا أمه ، اسكبي لي غسلا . . .