هامش
فضج الناس بالبكاء ، ومضى عمر محزونا مغلوبا على أمره ، فأتى أبا بكر وسأله أن ينطلق معه
إلى الزهراء لعلهما يحاولان استرضاءها . . .
واستأذنا عليها فلم تأذن لهما ، حتى جاء علي وأدخلهما فسلما ، لكنها أشاحت بوجهها عنهما
واستدارت إلى الحائط معرضة مغضبة . . .
واستطاع أبو بكر رضي الله عنه أن يجد صوته ويقول :
يا حبيبة رسول الله ، والله إن قرابة رسول الله أحب إلي من قرابتي ، وإنك لأحب إلي من عائشة
ابنتي ، ولوددت يوم مات أبوك أني مت ولا أبقى بعده ، أفتراني أعرفك ، وأعرف فضلك وشرفك ،
وأمنعك حقك وميراثك من رسول الله ، إلا أني سمعته صلى الله عليه وسلم يقول : لا نورث ، ما تركنا
صدقة ! . . .
فقالت فاطمة : أرأيتكما إن حدثتكما حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تعرفانه
وتعملان به ؟
قالا : نعم . . .
قالت : نشدتكما الله ، ألم تسمعا رسول الله يقول : رضى فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة من
سخطي ، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني ، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ، ومن أسخط فاطمة
فقد أسخطني ؟ . .
أجابا : بلى ، سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم . . .
قالت : فإني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن لقيت رسول الله
لأشكوكما إليه . . .
فارتاعا لما سمعا ، وخرج أبو بكر إلى الناس والدمع ينساب من مقلتيه ، فسألهم أن يقيلوه من
بيعتهم ، لكنهم أبوا حتى لا تكون فتنة ! . . .
ولا يذكر المؤرخون - فيما قرأت - أن الزهراء قد حاولت بعد ذلك أن تسترجع ما فات ، وإنما
الذي وعاه التاريخ أنها أسلمت نفسها للحزن ، فلم تر قط منذ مات أبوها صلى الله عليه وسلم ، إلا
محزونة باكية . . .
وعز العزاء وغلب الصبر ، ولم يبق لها من رجاء إلا أن تلحق بأبيها كما بشرها قبل الرحيل . . .
وما أسرع ما لحقت به ! . . .
أصبحت يوم الاثنين ، الثاني من رمضان سنة إحدى عشرة ، فعانقت أهلها وملأت ، عينيها
منهم ، ثم دعت إليها أم رافع مولاة أبيها عليه الصلاة والسلام ، فقالت لها بصوت واهن خفيض :
يا أمه ، اسكبي لي غسلا . . .