شرح
وإلى أين خرج قلت : الله أعلم فتركوني رغما لأنوفهم وخرجوا ، وقال صاحب كتاب
مطالب السؤول : إنه بات علي ( ع ) في المضجع والمشركون مجمعون على أخذه وقتله ولم
يضطرب ذلك قلبه ولا اكترث بهم ، فلما أصبح ثاروا إليه فرد الله كيدهم فقالوا أين
صاحبك ، قال : لا أدري : وأقام بعد رسول الله ( ص ) بمكة ثلاث ليال بأيامها يرد
الودائع التي كانت عند رسول الله ( ص ) حتى إذا فرغ منها ولم يبق بمكة من
المسلمين أحد في الاسلام سواه إلا من هو معذب محبوس عليه ثم خرج علي عليه السلام
طالبا أن يلتحق بالنبي ( ص ) وحده فأقام وحده بمكة بينهم ثم خرج وحده من مكة مع شدة
عداوتهم وطلب المدينة فوصلها فنزل مع رسول الله ( ص ) على كلثوم بن هرم فلو لم يكن الله تعالى قد
خص قلبه بقوة وجنانه بثبات ونفسه بشهامة لاضطرب في هذا المقام وإن كان آمنا من أذاهم في مبيته
لقول النبي ( ص ) لم يخلص ( يصل خ ل ) إليك منهم أمر تكرهه ، فإن النفوس البشرية
قد يتيقن عدم الخوف والأذى ومع ذلك يظهر عليها الخوف والاضطراب من رؤية المخوف
فإن موسى ( ع ) مع درجة النبوة وقد أخبره الله تعالى بأن اختاره ولما أمره بإلقاء عصاه
فألقاها فلما صارت حية خاف وولى مدبر فقال الله تعالى : أقبل لا تخف سنعيدها سيرتها
الأولى ، فلم يمكنه أن يخالف الأمر وكان عليه كساء فلف طرف الكساء على يده ليأخذها
فقال مالك يا موسى ؟ أرأيت لو أذن الله تعالى لها في أذاك أراد عنك كسائك فقال : لا ،
ولكني ضعيف ومن ضعف خلقت ، فالنفس البشرية هذا طبعها وكذلك أم موسى عليه السلام
لما أمرها الله تعالى بإلقاء ولدها في اليم ونهاها عن الخوف والحزن وأخبرها أنه يرد إليها
فلما ألقته في اليم داخلها الاضطراب في النفس البشرية حتى كادت لتبدي به وتفضح أمرها
لولا أن ربط الله على قلبها فلم ينطق مع اضطراب القلب ، فلولا أن الله تعالى منح
عليا ( ع ) قلبا متصفا بالقوة الثابتة التي هي الشجاعة لكان مع امتثال أمر النبي ( ص )
وأمنه من تطرق الذي إليه لقول النبي ( ص ) يضطرب بالنفس البشرية فإن مبيع واحد
بين الزمر من الأعداء قاصدين الفتك به معاندين لدينه مظهرين عداوته ثم إقامته بينهم