ذلك ، وأدناهم من لم يرض له بما رضي لنفسه لتقديم إخوانه وأخدانه عليه في الإمارة رضي اللّه عنهم أجمعين .
وآخر يحطّ من قدره الرفيع ؛ أبعدهم ضلالا الخوارج الّذين يلعنونه على المنابر ، ويرضون على ابن ملجم شقيّ هذه الامّة ، وكذلك المروانيّة ، وقد قطع اللّه دابرهم . وأقربهم ضلالا الّذين خطّأوه في حرب الناكثين ، واللّه سبحانه يقول :
فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ
« 1 » فإن لم تصدق هذه في أمير المؤمنين ففي من تصدق ؟ !
مع أنّهم بغوا بغيا محقّقا بعد استقرار الأمر له ، ولا عذر لهم ، ولا شبهة إلّا الطلب بدم عثمان . وقد أجاب رضي اللّه عنه بما هو جواب الشريعة فقال :
« يحضر وارث عثمان ويدّعي ما شاء ، وأحكم بينهم بكتاب اللّه تعالى وسنّة رسوله صلّى اللّه عليه وآله » . . .
وأمّا معاوية والخوارج فمقاصدهم بيّنة ؛ فإن لم يقاتلهم عليّ فمن يقاتل ؟
أمّا الخوارج فلا يرتاب في ضلالهم إلّا ضالّ . وأما معاوية فطالب ملك ، اقتحم فيه كلّ داهية ، وختمها بالبيعة ليزيد ؛ فالّذي يزعم أنّه اجتهد فأخطأ ، لا نقول : اجتهد وأخطأ ، لكنّه إمّا جاهل لحقيقة الحال مقلّد ، وإمّا ضالّ اتّبع هواه ، أللّهمّ إنّا نشهد بذلك .
ورأيت لبعض متأخّري الطبريّين في مكّة رسالة ذكر فيها كلاما عزاه لابن عساكر « 2 » وهو : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أخبر أنّ معاوية سيلي أمر الامّة ، وأنّه لن يغلب ، وأنّ عليّا كرّم اللّه وجهه قال يوم صفّين : لو ذكرت هذا الحديث أو بلغني لما حاربته .
ولا يبعد نحو هذا ممّن سلّ سيفه على عليّ والحسن والحسين وذرّيتهما ، والراضي كالفاعل كما صرّحت به السنّة النبويّة . إنّما استغربنا وقوع هذا الظهور حكاية الإجماع من جماعة المتسمّين بالسنّة بأنّ معاوية هو
هامش
( 1 ) - الحجرات : 9 .
( 2 ) - مختصر تاريخ دمشق [ 25 / 8 ] .