الحكم بأن المختار لا بد لفعله من غرض ، والمانع كان النقص ، فإذا ارتفع
النقص بالوجوه السابقة بقي الحكم صحيحا مؤيدا بالنقل ، والحق أن القول
بتعليل الأفعال هو الحق الذي ليس للشبهة إلى ساحته مجال ، والصواب الذي لا ترتع
حوله خطأ واختلال ، لكن الأشعري قد سبق على لسانه ذلك المحال لقلة شعوره ،
تور طه ( 1 ) في مخالفة أهل الاعتزال ، وطمعه بذلك رفعة شأنه عند الجهال . ثم
وسع أصحابه دائرة المقال بضم أضعافه ( 2 ) من الأغاليط والتيتال ( 3 ) ليوقعوا في الأوهام
أن ما ذكره شيخهم كلام دقيق لا يفهم ولا يرام إلا بعد طي مراتب النقض والابرام ،
والذي يشهد على ذلك ما ذكره السيد معين الدين الإيجي الشافعي ( 4 ) في رسالة
ألفها لتحقيق مسألة الكلام حيث ساق الكلام فيها من تشنيع شيخه الأشعري في
تلك المسألة على ما ذكرناه سابقا إلى تشنيعه في هذه المسألة ، فقال : إعلم أنه
رضي الله عنه قد يرعوي ( 5 ) إلى عقيدة جديدة بمجرد اقتباس قياس لا أساس له ،
مع أنه مناف لصرائح القرآن وصحاح الأحاديث مثل أن أفعال الله تعالى غير
معللة بغرض ، ودليله ( 6 ) كما صرح به في كتبه أنه يلزم تأثر الرب عن شعوره
شرح
( 1 ) تورط الرجل : وقع في الورطة أو في أمر مشكل وهلك .
( 2 ) جمع الضعف بكسر الضاد المعجمة لا الضعف بالفتح والضعف بالضم ، والكلمة
من المثلثات .
( 3 ) التيتال لفظ فارسي مولد يطلق على الكلام المشتمل على الخبط والفساد الكثير الذي
لا يأتي به إلا الأحمق الذي لا شعور له كالأشعري ومن تبعه من معاشر الأشاعرة .
منه " قده " .
( 4 ) قد مرت ترجمته سابقا فليراجع .
( 5 ) أي رجع . والارعواء مطلق الرجوع ، والكف عن الجهل .
( 6 ) أقول : يمكن أن يجاب عن دليله هذا بمثل ما أجيب به عن الاستدلال على المقدمة
القائلة ببطلان قيام الحادثان بذاته تعالى : بأنه يلزم تأثره تعالى من غيره حيث أجيب
عنه في بعض حواشي التلويح في بحث المقدمات الأربع : بأنه إن أراد أنه تعالى لا يتأثر
عن غيره أصلا فممنوع ، وإن أراد أنه لا يتأثر عن غيره في الوجود فمسلم ، لكن لا
نسلم ( لا يخفى خ ل ) أنه يلزم هذا التأثر على تقدير قيام الحادث بذاته تعالى ، وأيضا
لو صح هذا الدليل لزم أن لا يتصف الواجب بالنسب المتجددة لأنها أيضا توجب التأثر
والتغير في الذات ( إنتهى ) فتأمل فيه . منه " قده " .