في قوله تعالى : لاحتنكن ذريته إلا قليلا ( 1 ) ، وقوله : لأغوينهم أجمعين
إلا عبادك منهم المخلصين ( 2 ) ، وقوله : ولقد أضل منكم جبلا كثيرا ( 3 )
وأمثال ذلك ، وكذا الكلام في تخلية سائر العباد بينهم وبين أفعالهم ، وبالجملة
إنما يلزم مشاركة غيره تعالى معه في الفاعلية أو عجزه ومغلوبيته عنهم كما قد
يتوهم لو لم يقدر الله سبحانه على سلب القدرة والاختيار عنهم بقدرته ومشيته
القاهرة ، أما لو قلنا : بأنه تعالى قادر على ذلك ، وأنه لم تكن كراهته تعالى
لإيجاد العباد تلك الأفعال على سبيل الجبر بل كان بسبب نهيه إياهم من إيقاعها
على سبيل الاختيار فلا يلزم المشاركة ولا المغلوبية ، وقد قال تعالى :
ولو شاء الله لهديكم أجمعين ( 4 ) ، ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ( 5 ) ،
أي على سبيل الجبر والقهر ، ولكن ذلك ينافي التكليف المنوط بالاختيار ، والملخص
أن المشاركة أو العجز والمغلوبية إنما يلزم إذا تخلف مراده تعالى عن المشية
القطعية التي يسميها أهل العدل مشية قسر وإلجاء ( 6 ) ، وهم لا يقولون بالتخلف
عنها . وأما المشية التفويضية فلا عجز في التخلف عنها ، مثل أن تقول لعبدك :
أريد منك كذا ولا أجبرك ، وإرادة طاعة العاصي من قبيل الثاني عندهم فلا إشكال ،
وأيضا المجوس قالوا بأصلين : أحدهما فاعل الخير وهو ، يزدان ، المعبر عنه
شرح
( 1 ) الاسراء . الآية 62 .
( 2 ) ص . الآية 82 .
( 3 ) يس . الآية 62 .
( 4 ) الأنعام . الآية 149 .
( 5 ) السجدة . الآية 13 .
( 6 ) اصطلح المتكلمون من أصحابنا على تسمية هذا النوع من الإرادة بمشية القسر والحزم
والبت والالجاء وتبعوا في ذلك التعابير الواردة في أخبار ساداتنا الأئمة الميامين ، وقد
أورد بعضها ثقة الاسلام الكليني في أصول الكافي فليراجع .