ويفرقون بين المصالح الخالصة والراجحة والمرجوحة والمفاسد التي هي كذلك ،
ويقدمون أرجح المصلحتين على مرجوحتهما ويدفعون أقوى المفسدتين باحتمال
أدناهما ، ولا يتم لهم ذلك إلا باستخراج الحكم والعلل ومعرفة المصالح والمفاسد
الناشئة من الأفعال ومعرفة رتبها ، وكذلك الأطباء لا يصلح لهم ( لا يصح خ ل )
علم الطب وعمله إلا بمعرفة قوى الأدوية والأغذية والأمزجة وطبائعها ، ونسبة بعضها
إلى بعض ومقدار ثأثير بعضها في بعض ، وانفعال بعضها عن بعض ، والموازنة بين
قوة الدواء وقوة المرض ودفع الضد بضده ، وحفظ ما يريدون حفظه بمثله
ومناسبه ، فصناعة الطب ( 1 ) وعلمه مبنية على معرفة الأسباب والعلل والقوى والطبائع
شرح
( 1 ) ومن ثم ترى القوم يشيرون في كتبهم الطبية إلى ذلك حيث قالوا ولما كان المركب
في هذا العالم مورد الأضداد وكل شئ يقوي ما هو من جنسه ، ويضعف ما هو بخلافه ،
فيتغير المركب عما كان عليه بورود الوارد وينقلب عما كان عليه ولم يتأت عنه ما خلق
لأجله بل صدر عنه ما هو بخلاف ما أريد منه وهذا هو المرض ، وذلك الوارد هو سبب
المرض وعلته ، والصادر عنه على خلاف ما أريد منه هو العرض ، مثلا خلق العين للنظر
وقوامها بما هي عليه مما وضعها الله عليه ، فإذا وقع فيها قذى ونكأها ، فتلك النكأة
هي المرض وذلك القذى هو السبب ، فتعرض لها حمرة أو دمعة أو غير ذلك فتلك عرض
لها ، وأثر لتلك النكأة . فإذا ربما يكون عرض سبب مرض آخر ، كالدمعة تصير سبب
القرحة منه أو على مقام آخر ، أو مرض عرض مرض آخر ، أو مرض سبب مرض آخر
إلى ما شاء الله فبالأعراض يستدل على الأمراض ، وبالأمراض يتوصل إلى معرفة الأسباب
كالرمد يكون عرض النزلة منه فالمرض أثر للسبب ، والعرض أثر للمرض ، فالواجب
أولا لمن يروم المعالجات ، قطع أسباب المرض الأولية ثم إن كانت الطبيعة قوية تدفع