إن شاء الله تعالى ، فجعل المسألة الأولى في الادراك مع إرادة الرؤية التي هي
أخص من مطلق الادراك ، من باب إطلاق العام وإرادة الخاص بلا إرادة المجاز
وقيام القرينة ، وهذا أول أغلاطه ، والدليل على أنه أراد بهذا الادراك الذي عنون
به المسألة الرؤية : أنه قال : لما كان الادراك أعرف الأشياء وأظهرها على ما يأتي ،
وحصل فيه من مقالاتهم أشياء عجيبة غريبة ، وجب البدأة به ، وإنما ظهرت مقالاتهم
العجيبة على زعمه في الرؤية لا في مطلق الادراك كما ستعرف بعد هذا ، فإن الأشاعرة
لا بحث لهم مع المعتزلة في مطلق الادراك ، فثبت أنه أطلق الادراك وأراد به الرؤية
وهو غلط ، إذ لا دلالة للعام على الخاص ، ثم إن قوله الادراك أعرف الأشياء
وأظهرها وبه تعرف الأشياء ، كلام غير محصل المعنى ، لأنه إن أراد أن الرؤية
التي أراد من الادراك هي أعرف الأشياء في كونها محققة ثابتة ، فلا نسلم الأعرفية
فأن كثيرا من الأجسام والأعراض معروفة محققة الوجود مثل الرؤية ، وإن أراد
أن الاحساس الذي هو الرؤية أعرف بالنسبة إلى باقي الاحساسات ، ففيه أن كل
حاسة بالنسبة إلى متعلقه ، حالها كذلك ، فمن أين حصل هذه الأعرفية للرؤية ،
وبالجملة هذا الكلام غير محصل المعنى ثم قوله : إن الله تعالى خلق النفس الإنسانية
في مبدء الفطرة خالية عن جميع العلوم بالضرورة وقابلة لها بالضرورة وذلك مشاهد
في حال الأطفال ، كلام باطل ، يعلم ( 1 ) منه أنه لم يكن يعرف شيئا من العلوم العقلية ،
فإن الأطفال لهم علوم ضرورية كثيرة من المحسوسات البصرية والسمعية والذوقية ،
وكل هذه المحسوسات علوم حاصلة من الحس ، ولما لم يكن هذا الرجل من
شرح
( 1 ) لم يدع المصنف ، خلو نفوس الأطفال عن مطلق الاحساسات ، حتى يرد عليه بأن
الأطفال لهم علوم ضرورية ( الخ ) ، بل صرح بخلافه حيث قال : فيحس الطفل في أول
ولادته فتدبر .