وحصل فيه من مقالاتهم أشياء عجيبة غريبة ، وجب البداية به فلهذا قدمناه اعلم أن
الله تعالى خلق النفس الإنسانية في مبدء الفطرة خالية عن جميع العلوم بالضرورة
قابلة لها ، بالضرورة وذلك مشاهد في حال الأطفال ، ثم إن الله تعالى خلق للنفس
آلات ( 1 ) بها يحصل الادراك وهي القوى الحاسة فيحس الطفل في أول ولادته
بحس اللمس ما يدركه من الملموسات ، ويميز بواسطة الادراك البصري على سبيل
التدريج بين أبويه وغيرهما ، وكذا يتدرج في الطعوم وباقي المحسوسات إلى إدراك
ما يتعلق بتلك الآلات ، ثم يزداد تفطنه فيدرك بواسطة إحساسه بالأمور الجزئية
الأمور الكلية من المشاركة ( 2 ) والمباينة ، ويعقل الأمور الكلية الضرورية بواسطة
إدراك المحسوسات الجزئية ، ثم إذا استكمل العلوم وتفطن بمواضع الجدال ، أدرك
بواسطة العلوم الضرورية العلوم الكسبية ، فقد ظهر من هذا أن العلوم الكسبية
فرع على العلوم الضرورية الكلية ، والعلوم الضرورية الكلية فرع على
المحسوسات الجزئية ، فالمحسوسات إذن هي أصول الاعتقادات ولا يصح
شرح
( 1 ) وعبر بعض الفلاسفة عنها بخدام النفس تارة وموالي العقل أخرى والفرق بالاعتبار
كما هو غير خفي لدى أهل الفن . ثم إن جعلها آلات للنفس إحدى المسالك هنا ، وذهب
بعض بأنه لا تعدد بين النفس وتلك القوى ، وإليه يومئ على بعض الاحتمالات قول
الحكيم في نظمه :
النفس في وحدتها كل القوى * وفعلها في فعله قد انطوى .
وفي مسألة النفس مباحث عديدة ، منها اتحادها مع الآلات وعدمه ، ومنها اتحادها مع
العقل وعدمه ، ومنها اتحادها مع الروح وعدمه ، ومنها انقسامها إلى أقسام مذكورة في
كتب القوم طوينا عنها كشحا روما للاختصار .
( 2 ) المشاركة إشارة إلى معرفة الشئ بأمثاله كما أن المبائنة معرفته بأضداده ، ومن ثم
قيل : تعرف الأشياء بالأضداد والأمثال .
از در رهائى كه پيغمبر بسفت * تعرف الأشياء بالاضداد گفت