ثم تشبيه السيف بالبقلة من تشبيهات العامة ، والكلام الرذل النذل ، لان
العامة ( 1 ) قد يتفق منها تشبيه واقع حسن .
ثم انظر إلى هذا المقطع الذي هو بالعي أشبه منه بالفصاحة ، وإلى
اللكنة أقرب منه إلى البراعة ،
وقد بينا أن مراعاة الفواتح والخواتم ، والمطلع والمقاطع ، والفصل والوصل ،
بعد صحة الكلام ، ووجود الفصاحة فيه - مما لا بد منه ، وأن الاخلال
بذلك يخل بالنظم ، ويذهب رونقه ، ويحيل بهجته ، ويأخذ ماءه
وبهاءه ( 2 ) .
* * *
/ وقد أطلت عليك فيما نقلت ، وتكلفت ما سطرت ، لان هذا القبيل قبيل
موضوع متعمل مصنوع ( 3 ) . وأصل الباب في الشعر على أن ينظر إلى جملة القصة ، ثم يتعمل الألفاظ ،
ولا ينظر بعد ذلك إلى مواقعها ، ولا يتأمل مطارحها . وقد يقصد تارة إلى تحقيق
الأغراض ، وتصوير المعاني التي في النفوس ، ولكنه يلحق بأصل بابه ، ويميل بك
إلى موضوعه ، وبحسب الاهتمام بالصنعة يقع فيها ( 4 ) التفاضل .
وإن أردت أن تعرف وصاف الفرس ، فقد ذكرت لك أن الشعراء قد
تصرفوا في ذلك بما يقع إليك - إن كنت من أهل الصنعة - مما يطول على
نقله ، وكذلك في السيف .
وذكر لي بعض أهل الأدب : أن أحسن قطعة في السيف قول أبى الهول
الحميري ( 5 ) :
هامش
( 1 ) م : " تشبيها العامة البذل ، لان العامة "
( 2 ) سقطت هذه الكلمة من م
( 3 ) س ، ك : " إلى موضعه "
( 4 ) م : " فيه "
( 5 ) اسمه عامر بن عبد الرحمن ، مدح المهدى والهادي والرشيد والأمين . وكان خبيث اللسان ،
هجا خلقا كثيرا ، منهم : جعفر بن يحيى البرمكي . راجع تاريخ بغداد 12 / 237 - 238 وفي ديوان
المعاني 2 / 52 " ومن بليغ ما قيل في وصف السيف قول ابن يامين . قال محمد بن داود بن الجراح عن أبي
هفان عن الأياسي القاضي ، عن الهيثم بن عدي قال : لما صار سيف عمرو بن معدى كرب - الذي يسمى :
الصمصامة - إلى الهادي ، وكان عمرو وهبه لسعيد بن العاص ، فتوارثه ولده إلى أن مات ، فاشتراه موسى
الهادي منهم بمال جليل ، وكان موسى من أوسع بنى العباس خلقا وأكثرهم عطاء للمال ، قال : فجرده ووضعه بين يديه وأذن للشعراء فدخلوا ودعا بمكتل فيه دنانير فقال : قولوا في هذا السيف ، فبدرهم ابن يامين فقال :
حاز " ، إلخ . وكذلك نسب هذا الشعر لابن يامين البصري في وفيات الأعيان 5 / 159 ومروج الذهب
3 / 245 وهو لأبي الهول الحميري في الحيوان 5 / 87 وقد ذكر المعافى بن زكريا في الجليس والأنيس أن
موسى الهادي أمر بإحضار الشعراء فكان بالباب منهم أبو الهول ، وأبو الغول التميمي ، وسلم الخاسر . . .
فأما أبو الهول فلم يصف شيئا ، وأما سلم فلم يرض ما قال ، وأما أبو الغول فوصف فأحسن وأخذ الصلة :
عشرة آلاف درهم والحملان والخلع وانصرف . وأمر لأبي الهول وسلم الخاسر بخمسة آلاف ، خمسة آلاف
وانصرفا ، فكان الشعر لأبي الغول حيث يقول : حاز ، إلخ . وانظر كتاب التشبيهات لابن أبي عون
ص 142 - 143