من اقتطع شبرا من أرض ظلما ، طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين . وقيده جماعة بما يبلغ قيمة ربع مثقال كما
يقطع به في السرقة . وخرج بغصب المال غصب غيره كغصب كلب فصغيرة . اه . ( قوله : وتفويت مكتوبة ) أي فهو من
الكبائر ، لقوله تعالى إخبارا عن أصحاب الجحيم : ما سلككم في سقر ؟ قالوا : لم نك من المصلين ، ولم نك نطعم
المسكين ، وكنا نخوض مع الخائضين ولما روي أن : من ترك الصلاة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله . ومثل تفويت
الصلاة تعمدا ، تأخيرها عن وقتها أو تقديمها عليه من غير عذر كسفر أو مرض ، لقوله تعالى : * ( فخلف من بعدهم خلف
أضاعوا الصلاة ، واتبعوا الشهوات ، فسوف يلقون غيا إلا من تاب ) * . قال ابن مسعود رضي الله عنهما : ليس معنى
أضاعوها تركوها بالكلية ، ولكن أخروها عن أوقاتها ، وقال سعيد بن المسيب إمام التابعين : هو أن لا يصلي الظهر حتى
تأتي العصر ، ولا يصلي العصر إلى المغرب ، ولا يصلي المغرب إلى العشاء ، ولا يصلي العشاء إلى الفجر ، ولا يصلي
الفجر إلى طلوع الشمس . فمن مات وهو مصر على هذه الحالة ولم يتب أوعده الله بغي ، وهو واد في جهنم بعيد قعره ،
شديد عقابه . ( قوله : وتأخير زكاة ) مثله بالأولى تركها بالكلية . ( وقوله : عدوانا ) أي عمدا ، وهو راجع لكل من تفويت
الصلاة ، وتأخير الزكاة . وخرج به ما إذا كان تفويت الصلاة لعذر كنسيان ، أو نوم ، أو كان تأخير الزكاة لعذر كأن لم يحضر
المستحق لها وقت وجوبها ، فلا حرمة في ذلك مطلقا . ( قوله : ونميمة ) هي نقل الكلام على وجه الافساد ، سواء قصد
الافساد أم لا ، وسواء نقله لمن تكلم به فيه أو نقله إلى غيره ، كأبيه وابنه مثلا ، وحصل الافساد . والمراد بالافساد ضرر لا
يحتمل . ونقل الكلام ليس قيدا بل نقل الإشارة والفعل كذلك ، وسواء نقله بكلام أو إشارة أو كتابة . اه . بجيرمي . وإنما
كانت من الكبائر لورود الوعيد الشديد فيها ، فقد روى الشيخان : لا يدخل الجنة قتات أي نمام . وروى أحمد
والنسائي : لا يدخل الجنة عاق ، ولا مدمن خمر ، ولا نمام . ( قوله : وغيرها ) أي وغير المذكورات . ( قوله : من كل
جريمة الخ ) بيان للغير ، وهذا حد للكبيرة ، واعترض بشموله صغائر الخسة كسرقة لقمة ، لأنها جريمة : أي معصية تؤذن
بقلة إكتراث : أي اعتناء مرتكبها بالدين ، وبرقة الديانة : أي ضعفها ، لكن مع شموله لذلك مع أولى من حدها بأنها هي
التي توجب الحد ، لان أكثرها لا حد فيه ، ومن حدها بما فيه وعيد شديد بنص الكتاب أو السنة ، لان كثيرا مما عدوه كبائر
ليس فيه ذلك كالظهار ، وأكل لحم الخنزير وكثيرا مما عدوه صغائر فيه ذلك كالغيبة .
( واعلم ) أن للعلماء أقاويل كثرة في حد الكبيرة ، فمنها ما تقدم ، ومنها قول ابن الصلاح في فتاويه : قال الجلال
البلقيني وهو الذي اختاره : الكبيرة كل ذنب عظم عظما يصح معه أن يطلق عليه اسم الكبيرة ، ويوصف بكونه عظيما على
الاطلاق ، ولها أمارات منها إيجاب الحد ، ومنها الإيعاد عليه بالعذاب بالنار ، ونحوها في الكتاب أو السنة ، ومنها وصف
فاعلها بالفسق ، ومنها اللعن . اه . ومنها قول البارزي في تفسيره التحقيق : أن الكبيرة كل ذنب قرن به وعيد أو لعن بنص
كتاب أو سنة ، أو علم أن مفسدته كمفسدة ما قرن به وعيد أو حد أو لعن ، أو أكثر من مفسدته أو أشعر بتهاون مرتكبه في
دينه . اه . وقد استوعبها الشيخ ابن حجر في كتابه المسمى بالزواجر على اقتراف الكبائر وقال فيه : واعلم أن كل ما سبق
من الحدود إنما قصدوا به التقريب فقط ، وإلا فهي ليست بحدود جامعة وكيف يمكن ضبط ما لا طمع في ضبطه . اه .
( قوله : واجتناب إصرار على صغيرة ) معطوف على اجتناب كل كبيرة . والإصرار هو أن يمضي زمن تمكنه فيه التوبة ولم
يتب ، وقيل بأن يرتكبها ثلاث مرات من غير توبة ، وقال عميرة الاصرار قيل : هو الدوام على نوع واحد منها ، والأرجح أنه
الاكثار من نوع أو أنواع . قاله الرافعي : لكنه في باب العضل قال : إن المداومة على النوع الواحد كبيرة ، وبه صرح
الغزالي في الاحياء ، قال الزركشي والحق أن الاصرار الذي تصير به الصغيرة كبيرة ، إما تكرارها بالفعل وهو الذي تكلم
عليه الرافعي ، وإما تكرارها في الحكم وهو العزم عليها قبل تكفيرها وهو الذي تكلم فيه ابن الرفعة . وتفسيره بالعزم فسر
به الماوردي قوله تعالى : * ( ولم يصروا على ما فعلوا ) * . وإنما يكون العزم إصرارا بعد الفعل وقبل التوبة . اه . وفي
هامش
( 1 ) سورة المدثر ، الآية : 42 .
( 2 ) سورة مريم ، الآية : 59 .
( 3 ) سورة آل عمران ، الآية : 135 .