بمثله له ، جاز له أن يعزل قدر الحرام بنية القسمة ، ويتصرف في الباقي ويسلم الذي عزله لصاحبه إن وجد ، وإلا فلناظر
بيت المال ، واستقل بالقسمة على خلاف المقرر في الشريك للضرورة ، إذ الفرض ، الجهل بالمالك ، فاندفع ما قيل
يتعين الرفع للقاضي ليقسمه عن المالك ، وفي المجموع ، طريقه أن يصرف قدر الحرام إلى ما يجب صرفه فيه ،
ويتصرف في الباقي بما أراد ، ومن هذا ، اختلاط أو خلط نحو دراهم لجماعة ، ولم يتميز فطريقه أن يقسم الجميع بينهم
على قدر حقوقهم ، وزعم العوام أن اختلاط الحلال بالحرام يحرمه ، باطل . الخ . اه . ( قوله : بأن له الخ ) متعلق بأفتى .
وقوله إفراز : أي فصل وإخراج . والله سبحانه وتعالى أعلم .
فصل في أحكام الشفعة
أي في بيان بعض أحكام الشفعة ، وهي بإسكان الفاء ، وحكي ضمها ، لغة من الشفع ، ضد الوتر ، فكأن الشفيع
يجعل نفسه أو نصيبه شفعا ، بضم نصيب شريكه إليه ، أو من الشفاعة ، لان الاخذ بها كان جاهلية . وشرعا ، حق تملك
قهري يثبت للشريك القديم على الحادث بسبب الشركة فيما ملك بعوض . وشرعت لدفع الضرر : أي ضرر مؤنة
القسمة ، واستحداث المرافق في الحصة السائرة إليه لو قسم ، كالمصعد ، والمنور ، والبالوعة ، وغير ذلك ، وهذا الضرر
كان يمكن حصوله قبل البيع ، وكان من حق الراغب في البيع أن يخلص صاحبه منه بالبيع له ، فلما باع لغيره ، سلطه
الشارع على أخذه منه قهرا ، والأصل فيها خبر البخاري : قضى رسول الله ( ص ) بالشفعة فيما لم يقسم ، فإذا وقعت
الحدود وصرفت الطرق ، فلا شفعة أي حكم رسول الله ( ص ) بالشفعة بالمشترك الذي لم تقع فيه القسمة بالفعل ، مع كونه
يقبلها لان الأصل في النفي بلم ، أن يكون في الممكن بخلافه بلا ، واستعمال أحدهما محل الآخر ، تجوز ، كما في قوله
تعالى : * ( لم يلد ، ولم يولد ) * ( 1 ) أي لا يلد ، ولا يولد ، وكما في قوله تعالى : * ( لا يمسه إلا المطهرون ) * ( 2 ) أي لم يمسه .
وقوله فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة ، أي فإذا وقعت حدود القسمة بين الشريكين ، وبينت الطرق ، فلا
شفعة ، وهذا كناية عن حصول القسمة ، فكأنه قال : فإذا قسم ، فلا شفعة ، وأركانها ثلاثة : شفيع ، وهو الآخذ ، ومشفوع ،
وهو المأخوذ ، ومشفوع منه ، وهو المأخوذ منه ، وشرط في الشفيع ، أن يكون شريكا بخلطة الشيوع ، لا بالجوار ، فلا
شفعة لجار الدار ، ملاصقا كان أو غيره ، خلافا للامام أبي حنيفة رضي الله عنه ، فإنه أثبتها للجار فلو قضى بها حنفي
للجار ، ولو شافعيا ، لم ينقض حكمه ، وشرط في المشفوع ، أن يكون مما ينقسم ، أي مما يقبل القسمة إذا طلبها
الشريك ، دون ما لا ينقسم ، كحمام صغير ، وطاحون صغيرة ، ودار ، وحانوت ، وساقية كذلك ، والضابط في ذلك ، أن ما
يبطل نفعه المقصود منه لو قسم ، بحيث لا يمكن جعل الحمام حمامين ، ولا الطاحون طاحونين ، وهكذا ، لا تثبت فيه
الشفعة ، وما لا يبطل نفعه المقصود منه لو قسم ، بل يكون بحيث ينتفع به بعد القسمة إذا طلبها الشريك من الوجه الذي
كان ينتفع به قبلها ، كطاحون ، وحمام كبيرين ، بحيث يمكن جعلهما طاحونين وحمامين ، تثبت فيه الشفعة ، وشرط فيه
أيضا ، أن يكون مما لا ينقل من الأرض ، فلا شفعة فيما ينقل ، وشرط في المشفوع منه ، تأخر سبب ملكه عن سبب ملك
الآخذ ، فيكفي في أخذ الشفيع بالشفعة ، تقدم سبب ملكه عن سبب ملك المأخوذ منه ، وإن تقدم ملكه على ملك
الآخذ ، فلو باع أحد الشريكين نصيبه لزيد بشرط الخيار للبائع ، أو لهما فباع الآخر نصيبه لعمرو في زمن الخيار بيع بت ،
فالشفعة للمشتري الأول ، وهو زيد ، إن لم يشفع بائعه على المشتري الثاني ، وهو عمرو ، لتقدم
سبب ملك الأول عن سبب ملك الثاني . فلو اشترى اثنان دارا ، أو بعضها معا ، فلا شفعة لأحدهما على الآخر ، لعدم السبق ، وليست الصيغة
ركنا فيها ، لأنها ، كما تقدم ، حق تملك ، أي استحقاقه ، وهو لا يتوقف ثبوته على صيغة ، نعم تجب في التملك ، فلا
يملك الشفيع الشقص ، إلا بلفظ يشعر به ، كتملكت ، أو أخذت بالشفعة ، وسيذكره الشارح بقوله ، ولا يملك الشفيع إلا
هامش
( 1 ) سورة الاخلاص ، الآية : 3 .
( 2 ) سورة الواقعة ، الآية : 79 .