المصدوق نبينا محمدا ( ص ) . وواجبا على النصارى أيضا لكنهم بعد أن صاموه زمنا طويلا صادفوا فيه الحر الشديد ، وكان
يشق عليهم في أسفارهم ومعايشهم ، فاجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم أن يجعلوه في فصل الربيع لعدم تغيره ، وزادوا فيه
عشرة أيام كفارة لما صنعوا ، فصار أربعين . ثم إن ملكا مرض فجعل لله تعالى - إن هو برئ - أن يصوم أسبوعا ، فبرئ ،
فزاده أسبوعا ، ثم جاء بعد ذلك ملك ، فقال : ما هذه الثلاثة ؟ فأتم خمسين - أي أنه زاد الثلاثة باجتهاد منه - وهذا معنى
قوله تعالى * ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) * ( 1 ) والمعتمد الأول ، وهو أنه لم يجب خصوص رمضان إلا
على هذه الأمة ، وأما الواجب على الأمم السابقة فصوم آخر . ( قوله : ومن المعلوم من الدين بالضرورة ) أي وهو من
المعلوم من أدلة الدين علما يشبه الضروري ، فيكفر جاحد وجوبه . ( قوله : يجب صوم شهر رمضان ) الأصل في وجوبه
قوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون . أياما معدودات ) * ( 2 )
والأيام المعدودات أيام شهر رمضان ، وجمعها جمع قلة ليهونها ، وقوله تعالى * ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) * ( 3 ) .
( قوله : بكمال شعبان ثلاثين ) متعلق بل يجب أي يجب باستكمال شعبان ثلاثين يوما إن لم ير هلال رمضان ، لقوله ( ص ) :
صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما . وفي التحفة : قال الدارمي : ومن رأى
هلال شعبان ولم يثبت . ثبت رمضان باستكماله ثلاثين من رؤيته ، لكن بالنسبة لنفسه فقط . اه . ( قوله : أو رؤية عدل
واحد ) معطوف على كمال . أي ويجب صوم رمضان برؤية عدل واحد الهلال ، لان ابن عمر رضي الله عنهما رآه ، فأخبر
رسول الله ( ص ) ، فصام وأمر الناس بصيامه . رواه أبو داود وصححه ابن حبان . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : جاء
أعرابي إلى رسول الله ( ص ) فقال : إني رأيت هلال رمضان . فقال : أتشهد أن لا إله إلا الله ؟ قال : نعم . قال : تشهد أن
محمدا رسول الله ؟ قال : نعم . قال : يا بلال أذن في الناس فليصوموا . صححه ابن حبان والحاكم . والمعنى في ثبوته
بالواحد : الاحتياط للصوم ، ولان الصوم عبادة بدنية ، فيكفي في الاخبار بدخول وقتها واحد ، والمراد بالعدل عدل
الشهادة لا الرواية ، فلا يكفي عبد وامرأة وفاسق ، لكن لا يشترط فيه العدالة الباطنة ، وهي التي التي يرجع فيها إلى قول
المزكين ، بل يكفي كونه مستور - كما سيذكره - وهو من ظاهره التقوى ولم يعدل . قال في التحفة : ومحل ثبوته بعدل إنما
هو في الصوم وتوابعه كالتراويح والاعتكاف دون نحو طلاق علق به . نعم ، إن تعلق بالرائي عومل به ، وكذا إن تأخر
التعليق عن ثبوته بعدل . اه . وفي مغنى الخطيب ما نصه : ( فرع ) لو شهد برؤية الهلال واحد أو اثنان واقتضى الحساب
عدم إمكان رؤيته . قال السبكي : لا تقبل هذه الشهادة ، لان الحساب قطعي والشهادة ظنية ، والظن لا يعارض القطع .
وأطال في بيان رد هذه الشهادة ، والمعتمد قبولها ، إذ لا عبرة بقول الحساب . اه . وفصل في التحفة فقال : الذي يتجه
أن الحساب إن اتفق أهله على أن مقدماته قطعية وكان المخبرون منهم بذلك عدد التواتر ، ردت الشهادة ، وإلا فلا . اه .
( قوله : ولو مستورا ) أي ولو كان ذلك العدل مستورا ، وهو الذي لم يعرف له مفسق ولم يزك ، ويسمى هذا عدلا ظاهرا ،
ولا ينافي هذا ما مر من أنه يشترط فيه أن يكون عدل شهادة ، لا رواية ، لأنهم سامحوا في ذلك ، كما سامحوا في العدد
احتياطا . ( قوله : هلاله ) مفعول رؤية . ( وقوله : بعد الغروب ) متعلق برؤية . أي يشترط أن تكون الرؤية بعد الغروب ، فلا
أثر لرؤيته نهارا . فلو رؤي يوم الثلاثين من شعبان لا نمسك ، ولو رؤي يوم الثلاثين من رمضان لا نفطر . ( قوله : إذا شهد
بها إلخ ) هذا شرط بالنسبة لثبوته عموما ، وأما بالنسبة لنفسه أو لمن صدقه فلا يشترط فيه ذلك كما هو ظاهر . ولو قال - كما
في المنهج وشرحه - أو رؤية الهلال في حق من رآه وإن كان فاسقا ، أو ثبوتها في حق من لم يره بعدل شهادة . لكان أولى
وأخصر . ( وقوله : عند القاضي ) أي أو نائبه . ( قوله : ولو مع إطباق غيم ) المناسب جعله غاية لمقدر . أي يثبت الهلال
بشهادة عدل عند القاضي برؤيته ، ولو كانت السماء مطبقة بالغيم والمراد إطباق لا يحيل الرؤية عادة ، وإلا فلا يثبت بها .
هامش
( 1 ) التوبة : 31 .
( 2 ) البقرة : 183 - 184 .
( 3 ) البقرة : 185