وأسأله التخفيف حتى جعلها خمسا في كل يوم وليلة ، وقوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ لما بعثه إلى اليمن : أخبرهم أن الله قد
فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة . والحكمة في كون المكتوبات سبع عشرة ركعة أن زمن اليقظة من اليوم والليلة
سبع عشرة ساعة غالبا ، اثنا عشر في النهار ، ونحو ثلاث ساعات من الغروب ، وساعتين من قبيل الفجر ، فجعل لكل ساعة
ركعة جبرا لما يقع فيها من التقصير . ( قوله : ولم تجتمع هذه الخمس لغير نبينا محمد ) أي بل كانت متفرقة في الأنبياء . فالصبح
صلاة آدم ، والظهر صلاة داود ، والعصر صلاة سليمان ، والمغرب صلاة يعقوب ، والعشاء صلاة يونس ، كما سيذكره الشارح
في مبحث أوقات الصلاة عن الرافعي . ( قوله : وفرضت ليلة الاسراء ) والحكمة في وقوع فرضها تلك الليلة أنه ( ص ) لما قدس
ظاهرا وباطنا ، حيث غسل بماء زمزم ، وملئ بالايمان والحكمة ، ومن شأن الصلاة أن يتقدمها الطهر ، ناسب ذلك أن تفرض
فيها . ولم تكن قبل الاسراء صلاة مفروضة إلا ما وقع الامر به من قيام الليل من غير تحديد . وذهب بعضهم إلى أنها كانت
مفروضة ، ركعتين بالغداة ، وركعتين بالعشي . ونقل الشافعي عن بعض أهل العلم أنها كانت مفروضة ثم نسخت . اه
بجيرمي بتصرف . ( قوله : لعدم العلم بكيفيتها ) أي وأصل الوجوب كان معلقا على العلم بالكيفية . وهنا توجيه آخر لعدم
وجوب صبح ذلك اليوم ، وهو أن الخمس إنما وجبت على وجه الابتداء بالظهر ، أي أنها وجبت من ظهر ذلك اليوم . اه سم
بتصرف . ( قوله : إنما تجب المكتوبة ) شروع في بيان من تجب عليه الصلاة وما يترتب عليه إذا تركها . ( قوله : على كل مسلم )
أي ولو فيما مضى ، فدخل المرتد . ( قوله : أي بالغ ) سواء كان بالسن ، أو بالاحتلام ، أو بالحيض . ( قوله : فلا تجب على كافر )
تفريع على المفهوم ، والمنفي إنما هو وجوب المطالبة منا بها في الدنيا ، فلا ينافي أنها تجب عليه وجوب عقاب عليها في الدار
الآخرة عقابا زائدا على عقاب الكفر لأنه مخاطب بفروع الشريعة ، وذلك لتمكنه منها بالاسلام ، ولنص : * ( لم نك من
المصلين ) * وإنما لم يجب القضاء عليه إذا أسلم ترغيبا له في الاسلام ، ولقوله تعالى : * ( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما
قد سلف ) * ( قوله : بلا تعد ) قيد في المجنون والمغمى عليه والسكران ، وإن كان ظاهر كلامه أنه قيد في الأخير ، فإن حصل
منهم تعد وجب عليهم قضاؤها ، لأنهم بتعديهم صاروا في حكم المكلفين ، فكأنه توجه عليهم الأداء فوجب القضاء نظرا
لذلك . ( قوله : بل تجب على مرتد ) أي فيلزمه قضاء ما فاته فيها بعد إسلامه تغليظا عليه ، ولأنه التزمها بالاسلام ، فلا تسقط
عنه بالجحود كحق الآدمي . ( قوله : ومتعد بسكر ) أي أو جنون أو إغماء ، لما تقدم آنفا . ( قوله : ويقتل إلخ ) لخبر الصحيحين
أنه ( ص ) قال : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ،
فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الاسلام ، وحسابهم على الله .
واعلم أن الفقهاء اختلفوا في موضع ذكر حكم تارك الصلاة ، فمنهم من ذكره عقب فصل المرتد ، لمناسبته له من جهة
أنه يكون حكمه حكم المرتد إذا تركها جاحدا لوجوبها . ومنهم من ذكره عقب الجنائز ، لمناسبته لها من جهة أنه إذا قتل يغسل
ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين ، إن كان تركها كسلا . وهذه الأمور تذكر في الجنائز . ومنهم من ذكره قبلها ،
كالنووي في منهاجه ، وكشيخ الاسلام في منهجه ، ليكون كالخاتمة لكتاب الصلاة . ومنهم من ذكره قبل الاذان ، لمناسبة ذكر
حكم تركها الذي هو التحريم ، بعد ذكر حكم فعلها الذي هو الوجوب . والمؤلف رحمه الله تعالى اختار هذا الأخير لما ذكر .
إعانة الطالبين — صفحة 30
مساهمون: البكري الدمياطي
ص٣٠