وفي لفظ أخرجه مسلم : " فتربوا في كف الرحمن حتى تكون أعظم
من الجبل " .
قال العلماء هذا خطاب للناس بما يعلمونه ويفهمونه من الأخذ
والتربية والنمو ، لما كان التناول باليد والقبض بالكف خاطبهم بما
يعقلون ، وإنما جرى ذكر اليمين لأنها مرصدة لما عز من الأمور ، ومعنى
التربية : المضاعفة .
الحديث الخمسون
روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أنس بن مالك
رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ذكر الدجال فقال : " إلا أنه أعور
وإن ربكم ليس بأعور " ( 201 ) .
هامش
( 201 ) رواه البخاري ( فتح 13 / 389 ) ومسلم ( 4 / 2248 برقم 101 ) وقال الحافظ
ابن حجر في شرحه :
" ولم أر في كلام أحد من الشراح في حمل هذا الحديث على معنى خطر
لي فيه التنزيه وحسم مادة التشبيه عنه ، وهو أن الإشارة إلى عينه صلى الله عليه وسلم إنما
هي بالنسبة إلى عين الدجال فإنها كانت صحيحة مثل هذه ثم طرأ عليها العور
لزيادة كذبه في دعوى الإلهية ، وهو أنه كان صحيح العين مثل هذه فطرأ عليها
النقص ولم يستطع دفع ذلك عن نفسه " ا ه .
وقال الإمام المحدث سيدي أبو الفضل الغماري في " فتح المعين " ص ( 37 )
ما نصه :
" والحديث ليس فيه إثبات العينين لله ، فمن أين أتى بها الهروي ؟ ! إن كان
فهم من قوله : إن ربكم ليس بأعور أنه يستلزم أن تكون له عينان فهذا غلط
واضح ، فإن الصفات لله تعالى لا تثبت إلا بلفظ صريح في حديث صحيح .
وقد جاء في القرآن إثبات ( أي إضافة ) العين لله مفردة كقوله تعالى : ( ولتصنع )
على عيني " ومجموعة كقوله سبحان : ( فإنك بأعيننا . . . ) ( واصنع الفلك
بأعيننا ) ( تجري بأعيننا ) وهذا يدل على أن نسبة العين إلى الله معناه صفة
البصر أو الحفظ والكلاءة ، وقال ابن حزم : لا يجوز لأحد أن يصف الله عز
وجل بأن له عينين لأن النص لم يأت بذلك " ا ه .
قلت : ابن حزم توفي سنة ( 548 ) ه والذي يظهر لنا أنه سليم العقيدة وأنه
في هذا الأمر صاحب فهم ومعرفة إلا في مسألة واحدة وهي مسألة الولد ،
فإنه قال : إن الله قادر على أن يتخذ ولدا وهذه المسألة قالها فرارا من قولهم
المحال لا يتعلق بالقدرة مع قولنا ( والله على كل شئ قدير ) وهي مسألة خطيرة
فاضحة قاصمة وقد رد عليه فيها المحدث عبد الله بن الصديق في رسالة خاصة
سماها ( رفع الإشكال عن مسألة المحال ) أجاد فيها وأفاد في هذه المسألة
جزاه الله عنا خيرا .
وأما في الفروع الفقهية فلا يعول على ما يقوله ابن حزم البتة إلا ما وافق الدليل
بعد التمحيص ، وأما ثناء بعضهم على كتابه " المحلى " كالعز وغيره فليس
بشئ والله الهادي .
والمتمسلفة من وقت الحراني إلى الآن تأخذ بشذوذاته - ابن حزم - الفقهية
وتعرض عن عقيدته المستقيمة التي نعرفها منه للآن لأنه لا يوافقهم في
المعتقد ، وهو وإن عاب على الأشاعرة إلا أنه موافق لهم في الجملة .
وقال بعضهم :
واجزم على التحريم أي جزم * والرأي ألا يتبع ابن حزم
فقد أبيحت عنده الأوتار * والعود والطنبور والمزمار