وقال القاضي أبو يعلى ( المجسم ) : غير ممتنع حمل الخبر على
ظاهره في الإثبات ، والإصبع صفة راجعة إلى الذات ، لأنا لا نثبت
أصابعا هي جارحة ولا أبعاضا .
قلت : وهذا كلام مخبط لأنه إما أن يثبت جوارحا وإما أن يتأولها ،
فأما حملها على ظواهرها ، فظواهرها الجوارح . ! !
ثم يقول : ليست أبعاضا ، فهذا كلام قائم قاعد ، ويضيع الخطاب
لمن يقول هذا .
الحديث الخامس والعشرون
روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي
الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
" يطوي الله عز وجل السماوات يوم القيامة بيده ثم يأخذهن بيده
اليمنى ثم يقول : أنا الملك ، أين الجبارون أين المتكبرون . . ؟ ثم
يطوي الأرض بشماله ثم يقول : أنا الملك أين الجبارون ؟ أين
المتكبرون ؟ . . " ( 148 ) .
هكذا رواه مسلم وهي أتم الروايات .
هامش
( 148 ) رواه البخاري في أربعة مواضع من صحيحه ( 8 / 551 ) و ( 11 / 372 )
و ( 13 / 367 و 393 فتح ) دون ذكر للفظة " بشماله " وهذا لفظه من حديث أبي
هريرة : " يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول : أنا
الملك أين ملوك الأرض ؟ " ومسلم برقم ( 2787 ) .
ورواه مسلم ( 4 / 2148 برقم 2788 ) من حديث ابن عمر بإثبات لفظة
" بشماله " ويعارض هذا اللفظ ما رواه مسلم في صحيحه ( 3 / 1458 برقم
1827 ) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا :
" إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل ، وكلتا
يديه يمين . . . " الحديث .
فهاتان الروايتان تساقط كل منهما الأخرى لأنهما من تصرف الرواة .
والمعول عليه ههنا هو اللفظ الموافق لقوله تعالى : ( وما قدروا الله حق قدره
والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى
عما يشركون ) الزمر : 67 .
والمراد بهذه الآية الكريمة الرد على من شبه وجسم وتنزيه الله عن الجوارح
والأعضاء لأنها نزلت كما ثبت في تفسير ابن جرير ( 24 / 26 ) عندما قال
يهودي مشبة مجسم لرسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا أبا القاسم أبلغك أن الله يحمل
الخلائق على إصبع والسماوات على إصبع والشجر على إصبع والثرى على
إصبع ) وفي لفظ : ( يجعل الله السماء على ذه ، والأرض على ذه ، والجبال
على ذه وسائر الخلق على ذه ، فأنزل الله : ( وما قدروا الله حق قدره )
فمعنى ( قبضته ) و ( يمينه ) اللتان جاءتا في الآية هو في لغة العرب التعبير عن
الملك والقهر للمخلوقات والعظمة لله تعالى والقدرة على السماوات والأرض
ومن فيهن ، ومنه قول الله تعالى : ( أو ما ملكت أيمانهم ) فالمراد كونه مملوكا
لهم ، والعرب تقول : " هذه الدار في يد فلان " و " قبض فلان كذا " و " صار
في قبضته " يريدون خلوص ملكه ، كما قال الحافظ أبو حيان في " البحر
المحيط ) ( 7 / 440 ) وهذا كله مجاز مستفيض مستعمل ، وقال ابن عطية كما
في " البحر المحيط " : " اليمين هنا والقبضة عبارة عن القدرة ، وما اختلج في
الصدر من غير ذلك فباطل " ا ه .
قلت : والواجب تفسير الآية على ما تقتضيه لغة العرب ، لأنه بها نزل هذا القرآن
( إنا أنزلناه قرآنا عربيا " لا سيما والعرب تستعمل اليمين والشمال في معنى
القهر والضبط ، ومن ذلك قول زياد بن أبيه لمعاوية : " إني قد ضبطت العراق
بشمالي ويميني فارغة فأشغلها بالحجاز " أنظر " الكامل " لابن الأثير ( 3 / 493 ) .
فلا يجوز تفسيرها بظواهر أحاديث مضطربة تصرف بها رواتها فزادوا ونقصوا ،
ومنه يتبين خطأ ابن جرير في تفسيره حيث قال :
" وقال بعض أهل العربية من أهل البصرة ( والأرض جميعا قبضته يوم القيامة
والسماوات مطويات بيمينه ) يقول في قدرته نحو قوله : ( وما ملكت أيمانكم )
أي : وما كانت لكم عليه قدرة وليس الملك لليمين دون سائر الجسد ، قال :
وقوله ( قبضته ) نحو قولك للرجل هذا في يدك وفي قبضتك والأخبار التي
ذكرناها عن رسول الله وعن أصحابه وغيرهم ، تشهد على بطول - أي بطلان
- هذا القول " ا ه .
قلت : كلا والذي نفسي بيده ، لأن خير ما يفسر القرآن القرآن ، وكذا لغة
العرب التي نزل بها هذا القرآن العظيم ، وأما الأخبار التي سقتها يا ابن جرير
فهي أخبار متضاربة كما بينا قد تصرف بها رواتها فتارة يقولون : " بشماله "
فيثبتون لله تعالى شمالا وفي موضع آخر يقولون : " وكلتا يديه يمين " وتارة
يقولون كما في تفسيرك ( 24 / 26 ) : " يأخذ السماوات والأرضين السبع
فيجعلها في كفه ، ثم يقول بهما كما يقول الغلام بالكرة أنا الله الواحد " ولا
يسعني هنا إلا أن أقول وأنا منكر لهذه الروايات المتصرف بها :
" تبا لمن شبه ربه بصبي يلعب بكرة ، و ( سبحان ربك رب العزة عما
يصفون ) ويجل سيدنا رسول الله وهو أعلم الخلق بالله أن يقول ذلك ، ونسأل
الله التوفيق والهداية " وفي إسناده أسامة بن زيد وهو ضعيف .
( تنبيه ) : ومن حديث الكرة الوارد في تفسير ابن جرير الذي ألفه قبل نحو
1200 سنة ، يتبين أن الكرة التي يلعب بها الصبيان اليوم ويتنزه عنها الرجال
العقلاء كانت موجودة قبل أن تكتشف أمريكا ويكتشف المطاط كما يزعم
بعض المحللين والمتكلمين اليوم .