وقال أبو الحسين ابن المنادى ( 127 ) ونقلته من خطه :
" وصف الهواء بالفوقية والتحتية مكروه عند أهل العلم لما في ذلك
من الجعل كالوعاء لمن ليس كالأشياء جل وتعالى ، قال : ولسنا نختلف
أن الجبار لا يعلوه شئ من خلقه بحال ، وأنه لا يحل بالأشياء بنفسه ،
ولا يزول عنها ، لأنه لو حل بها لكان منها ، ولو زال عنها لنأى عنها
فاتفاقنا على هذا أكثر من هذا الخبر على المعنى المكروه ، والتأويل
المألوف " .
الحديث التاسع عشر
روى البخاري ( 3 / 29 فتح ) ومسلم ( 1 / 522 ) في الصحيحين
من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ينزل ربنا
كل ليلة إلى السماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الأخير يقول : " من
يدعوني فاستجيب له " ( 128 ) .
هامش
( 127 ) هو الإمام الحافظ أحمد بن جعفر المنادي البغدادي ، مترجم في " سير أعلام
النبلاء " ( 15 / 361 ) قال الداني : مقرئ جليل غاية في الإتقان ، فصيح
اللسان ، عالم بالآثار ، نهاية في علم العربية ، صاحب سنة ، ثقة مأمون .
قلت : ولد سنة ( 257 ) ه وتوفي سنة ( 336 ) ه .
( 128 ) هذا الحديث ضبطه بعض المشايخ كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح
( 3 / 30 ) بضم الياء في ينزل ، وعلى تقدير الفتح فيها فإن المراد بذلك أنه
ينزل سبحانه وتعالى ملكا أي يأمره بالنزول إلى السماء الدنيا فينادي ، يثبت
ذلك ما رواه النسائي في الكبرى ( 6 / 124 برقم 10316 ) وعمل اليوم والليلة
( ص 340 برقم 482 بتحقيق فاروق حماده ) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة
مرفوعا :
" إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا ينادي
يقول : هل من داع يستجاب له ؟ هل من مستغفر يغفر له ؟ هل من سائل
يعطى ؟ " وما رواه الإمام أحمد ( 4 / 22 و 217 ) والبزار ( 4 / 44 كشف الأستار )
والطبراني ( 9 / 51 ) عن سيدنا عثمان بن أبي العاص الثقفي مرفوعا : " تفتح
أبواب السماء نصف الليل ، فينادي مناد : هل من داع فيستجاب له ، هل من
سائل فيعطى ، هل من مكروب فيفرج عنه ، فلا يبقى مسلم يدعو بدعوة إلا
استجاب الله عز وجل له إلا زانية تسعى بفرجها أو عشارا " وهو صحيح الإسناد
وانظر " مجمع الزوائد " ( 10 / 209 ) وفيه : رواه الطبراني : ورجاله رجال
الصحيح .
قلت : وقد ضعف حديث النسائي المحدث ! ! المتناقض ! في " ضعيفته " برقم
( 3897 ) كما نقل ذلك عنه الشيخ شعيب في تعليقه على كتاب " أقاويل
الثقات " لمرعي الكرمي ص ( 205 ) من الطبعة الأولى وتابعه على تضعيفه
فأخطأ كل منهما ! !
وقد زعما أن حفص بن غياث تغير حفظه قليلا بأخرة ، وأقول : إن هذا
تضعيف مردود لأن رواية حفص عن الأعمش كما في إسناد هذا الحديث كانت
في كتاب عند ابن حفص - عمر - كما في ترجمة حفص في " تهذيب الكمال "
( 7 / 60 ) و " تهذيب التهذيب " ( 2 / 358 ) فلا يضرها اختلاط حفص بأخرة
على تسليم وقوعه .
وقوله - المعل ق على " أقاويل الثقات " عن حديث النسائي منكر بهذا السياق .
غريب ! ! بل منكر من القول ، ويصح ذلك لو كان حفص ضعيفا وليس هو
كذلك ، ثم لا نكارة في المتن البتة ، فلو كان ما ادعاه الألباني ومتابعه حقا
لكان شاذا لا منكرا لقول أهل الحديث :
وما يخالف ثقة به الملا * فالشاذ والمقلوب قسمان تلا
ثم إن الحديث لم يقل فيه أي حافظ فيما علمنا : " إنه منكر " بل صححوه
ونقل : صاحب " كتاب الثقات " الذي حققه ! ! الشيخ شعيب عن القرطبي في
تفسيره ( 4 / 39 ) تصحيحه حيث قال :
" صححه أبو محمد عبد الحق . قال : وهذا يرفع الإشكال ويزيل كل احتمال ،
والسنة يفسر بعضها بعضا ، وكذلك الآيات ، ولا سبيل إلى حمله على صفات
الذات المقدسة ، فإن الحديث فيه التصريح بتجدد النزول ، واختصاصه
ببعض الأوقات والساعات ، وصفات الرب - سبحانه - يجب اتصافها بالقدم ،
وتنزيهها عن الحدوث والتجدد بالزمان " ا ه .
أقول : وأما حديث عثمان بن أبي العاص الذي فيه " فيناد مناد " - الذي
صححه المحدث ! ! المتناقض ! ! في " صحيحته " برقم ( 1073 ) وانظر كتابنا
( التناقضات ) ص ( 189 ) - ففيه أيضا إثبات أن النازل هو ملك من ملائكة
الله سبحانه بأمره ، ولا يحتمل أن المراد ب " مناد " هو الله سبحانه البتة ، لأن
النبي صلى الله عليه وسلم لا يقول عن ربه سبحانه " مناد " ولأن الله سبحانه لا يمكن أن ينزل
بذاته كما تتخيل المجسمة إلى السماء الدنيا لأن في ذلك حلول الخالق في
المخلوق وهو كفر بواح ، وقول من قال : " ينزل لا كنزولنا " كلام فلسفي
متناقض لا معنى له ، لأننا نقول له : إما أن تقول ينزل بذاته فتكون مجسما
حلوليا وإما أن تنزه الله عن ذلك وتقول بما في هذه الأحاديث الصحيحة
المفسرة المبينة لمعنى قوله في الحديث الآخر " ينزل الله " مع أن بعض
المشايخ ضبط هذه اللفظة بضم الياء فقال : " ينزل " كما أثبتناها في المتن
الذي أورده الحافظ ابن الجوزي وكما جاء ذلك في كلام الحافظ ابن حجر
في " فتح الباري " ( 3 / 30 ) فاستيقظ وتنبه .
" ملاحظة " : وهناك ثمة ملاحظة مهمة جدا ، وهي أن عقيدة " نزول الله بذاته
إلى السماء الدنيا في شطر الليل الآخر " باطلة بصريح المعقول عند جميع
العقول السليمة ، وذلك لأن شطر الليل الآخر مستمر على وجه الكرة الأرضية
طوال الأربع والعشرين ساعة ، وهو منتقل من جزء من الأرض إلى الجزء الذي
يليه ، فعلى هذا متى يجلس معبود المجسمة على عرشه ؟ ! !
نسأل الله التوفيق والسلامة في المعتقد والدين .