الحديث الخامس
روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي
الله تعالى عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال :
" يجمع الله الناس فيقول : من كان يعبد شيئا فليتبعه ، فيتبعون ما
كانوا يعبدون ، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها ، فيأتيهم الله عز وجل في
غير الصورة التي كانوا يعرفون فيقول : أنا ربكم .
فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا . فإذا جاء ربنا
عرفناه فيأتيهم في الصورة التي يعرفون ، فيقول : أنا ربكم .
فيقولون : أنت ربنا . . ؟ " ( 87 ) .
هامش
( 87 ) رواه البخاري ( فتح 2 / 293 و 11 / 445 ) من حديث أبي هريرة . و ( فتح
8 / 249 - 250 ) من حديث أبي سعيد ، ومسلم ( 1 / 164 برقم 299 ) من
حديث أبي هريرة و ( 1 / 198 برقم 302 ) من حديث أبي سعيد ، وأحمد في
المسند ( 3 / 17 ) والترمذي في سننه ( 4 / 691 برقم 2557 شاكر ) .
وهذا الحديث شاذ عندنا بمرة . لأن فيه إشكالات تعارض القرآن والسنة
الصحيحة المتواترة والمشهورة وغيرها والقواعد الثابتة في الكتاب والسنة ، وقد
ذكرت له ستة عشر إشكالا في كتابي : " الأدلة المقومة لاعوجاجات المجسمة "
أذكر بعضها :
( 1 ) فيه أن الله يتشكل فيأتي أحيانا بصورته الحقيقية المزعومة وأحيانا بغير
صورته ! !
( 2 ) فيه إثبات الصورة لله تعالى وذلك محال .
( 3 ) فيه أن المنافقين يرون الله تعالى ، وهذا معارض لقوله سبحانه : ( كلا
إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) .
( 4 ) فيه أنهم يرونه سبحانه في أرض المحشر مع أن الأحاديث الصحيحة تثبت
أن الرؤيا هي الزيادة الواردة في قوله تعالى : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة )
وذلك يتم لهم في الجنة . وفي هذا الحديث أن الرؤيا قبل الصراط وهذا باطل
بلا شك .
( 5 ) إن لفظ الصورة لم يثبت في جميع روايات الصحيحين ، ففي رواية
البخاري في الأذان ( فتح 2 / 293 ) : ليس فيها ذكر للصورة البتة .
( 6 ) أين رأوه سبحانه قبل ذلك حتى يصح ما ورد في هذا الحديث قوله :
" فيأتيهم بغير الصورة التي يعرفون " ؟ ! !
وقد أبدع الإمام المحدث الكوثري وأجاد وأفاد عندما قال ملخصا الأمر في هذا
الحديث في تعليقه على كتاب " الأسماء والصفات " ص ( 292 ) حيث قال :
" اضطربت الروايات في ذكر الصورة والإتيان كما يظهر من استعراض طرق هذا
الحديث ومتونه في الصحيحين وجامع الترمذي ، وتوحيد ابن خزيمة وسنن
الدارمي وغيرها ، ولم يسبق أن عرفوه على صورة ، فعلم أنه قد فعلت الرواية
بالمعنى في الحديث ما فعلت ، على أن المنافقين محجوبون عن ربهم يوم
القيامة ، فيكون هذا الحديث مخالفا لنص القرآن ، إلا عند من يؤوله تأويلا
بعيدا ، فالقول الفصل هنا هو الإعراض عن ألفاظ انفرد بها هذا الراوي ، أو
ذاك الراوي ، باختلافهم فيها ، والأخذ بالقدر المشترك من المعنى الذي اتفقوا
عليه ، فلعلك لا تجد في ذلك ما يوقعك في ريبة أو شبهة . . ويقول ابن العربي
في عارضة الأحوذي : إن الناس في هذه الحال لا يرونه سبحانه في قول
العلماء ، وإنما محل الرؤية الجنة . . بإجماع العلماء . . . " ا ه .