والنسك والعبادة ، بل التصدّر للفتوى والتدريس والإمامة للجماعة ، حتى إذا صار بينه وبين أحد معاملة الدرهم والدينار انقلب إلى حالة أخرى ، وصار همّه التوصّل بالغلبة والاستيلاء أو الحيلة والخديعة بكل وجه ممكن إلى أخذ ذلك ، وإن تفاوت أفراد الناس بتفاوت المقامات ومقتضيات الأحوال . وكم رأينا من رجل حسن الخلق واللسان في مقام الخضوع له والإذعان ، حتى إذا اعتدى عليه معتد قابله بمثل ما اعتدى عليه ، بل ربّما زاد عليه ، وربّما استنكف من التظاهر بذلك ، فنصب له في الباطن شباك المهالك من حيث لا يعلم ، وتتبع له الغوائل ، ولو أنه قابل بالصفح والحلم والعفو لكان هو هو .
وبالجملة ، فإنه إنّما تعرف أحوال الناس وما هم عليه من حسن وقبح وعدالة وفسق بالابتلاء والامتحان في المعاملات والمخاصمات والمحاورات ، وهذا هو الذي لحظه عليه السّلام في هذا الخبر ، وبه تشهد رؤية العيان وعدول الوجدان ، ولا سيّما في هذه الأزمان التي انطمست فيها معالم الإيمان .
وهذا المعنى الذي ذكرناه هو الذي يتبادر من العبارة المذكورة ، أعني قولنا : إن العدالة عبارة عن حسن الظاهر ، أي حسن ما يظهر منه في مقام الابتلاء والاختبار .
وأمّا الحمل على حسن ما يظهر منه من كونه عالما فاضلا ، مظهرا للزهد بين الناس ، مصلَّيا ونحو ذلك ، غير مظهر لما يوجب الفسق ، من غير اختبار كون ذلك عن تقوى وورع ، أو عن تصنّع ورياء ، فهو غير مجد في المقام ، بل هو في الحقيقة مجهول الحال ، وعدم ظهور ما يوجب الفسق منه لا يدل على العدم ؛ إذ الشرط في الرواية المذكورة ظهور العدم لا عدم الظهور ، والفرق بين المقامين واضح .
فإن قيل : إنه يصدق على من لم يظهر منه ما يوجب الفسق مع كونه عالما
الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية — صفحة 45
مساهمون: المحقق البحراني
ص٤٥