ويمكن الجواب :
أمّا عن الأوّل ، فبأن يحمل البلى الذي هو عبارة عن الفناء على الخروج من هذا العالم العنصري ، وأنها قد فنيت منه وإن بقيت في العالم البرزخي في قالبها المثالي .
وأمّا عن الثاني ، فبأن يقال : لا ريب أنه وإن وردت الأخبار بأن الروح تنقل إلى دار السلام في قالبها المثالي ، وتبقى حيّة في العالم البرزخي ، إلَّا إنه قد وردت الأخبار أيضا بأن الميّت بعد سؤاله في القبر ؛ فإن كان مؤمنا فإنه يقول له : نم نومة الشاب الناعم ، ويفتح له في قبره باب إلى الجنّة ، ويتحف من روحها وريحانها . وإن كان كافرا فإنه يفتح له باب من النار ، وتسلَّط عليه الحيات والعقارب ( 1 ) .
وبالجملة ، فإنه يلتذّ ويتألم في قبره ، وليس ذلك إلَّا باعتبار الروح ، وإلَّا فالجسد العنصري يضمحل . ويؤيده ما ورد في الأخبار من أنه يأنس بمن يزور قبره ، ويستوحش عند فراقه ( 2 ) .
وهذا كلَّه بحسب الظاهر ممّا يدافع الأخبار الأول ( 3 ) الدالة على أن الروح تنقل في القالى المثالي إلى دار السلام ، وإنّما يبقى في القبر الجسد خاصّة .
والذي خطر لي في وجه الجمع بينها - وإن كانت العقول قاصرة عن إدراك تلك النشأة البرزخية والأخروية ، وما فيهما من الأمور العجيبة التي لا تمر بعقل ذي روّية - هو أن يقال : إن الروح وإن كانت في ذلك القالب المثالي الذي تنقل فيه إلى وادي السلام ، إلَّا إنها مع ذلك لها اتصال بالقبر الذي هو بيت جسدها
هامش
( 1 ) الكافي 3 : 237 / 7 ، و 3 : 239 / 12 ، باب المسألة في القبر
( 2 ) الكافي 3 : 228 / 1 ، 4 ، باب زيارة القبور .
( 3 ) من " ق " ، وفي النسختين : الأولة .