إنّ الحاكم بوجوب توفير المقدّمات العقلية هو العقل ، فإنّها وإن لم يأمر بها الشارع ويبيّنها ، إلّا أنّ المكلّف المستطيع لا يصحّ منه أن يترك المقدّمات المذكورة ويبقى جالساً في داره حتّى مجيء يوم التاسع من ذي الحجّة ميقات الوقوف بعرفات ، بدعوى أنّ الشارع لم يأمر بوجوب تحصيلها .
ووجه عدم صحّة تركها : أنّ العقل يدرك أنّ الوجوب لمّا صار فعليّاً في ذمّة المكلّف وكان للواجب مقدّمات تكوينيّة يفرضها الواقع ، يجب على المكلّف توفير تلك المقدّمات ليدرك الواجب ويمتثله ، وبدون ذلك يكون المكلّف قد ارتكب حراماً لأنّه لا يتمكّن من أداء الواجب في وقته .
فاتّضح أنّ مسؤولية المكلّف تجاه المقدّمات الشرعيّة والعقليّة ووجوب توفيرها على حدٍّ سواء . فكما يجب عليه إيجاد المقدّمات الشرعية وتحصيلها كالطهارة ، فكذلك يجب عليه توفير المقدّمات العقلية كواسطة النقل للحاجّ . وكما أنّ قيود الواجب الشرعية لابدّ أن تكون مقدورة للمكلّف وإلّا كانت قيوداً للوجوب لا للواجب ، فحال المقدّمات العقلية للواجب كذلك أيضاً .
نعم ، لو أخذت المقدّمة العقلية قيداً للواجب والوجوب معاً فلا يجب على المكلّف تحصيلها ، كما هو الحال في المقدّمة الشرعية .
فتلخّص : أنّ حال المقدّمة العقلية للواجب كالمقدّمة الشرعية ، فإن كانا قيدين للواجب فقط فيجب تحصيلهما ، وإن كانا قيدين للوجوب أو لهما فلا يجب توفيرهما .
متى تبدأ المسؤولية تجاه قيود الواجب
بعد الوقوف على معنى المقدّمة الشرعيّة والعقليّة ومسؤوليّة المكلّف تجاههما ، نتساءل الآن : متى تبدأ مسؤولية المكلّف عن توفيرهما ؟