وهذه إحدى نقاط الخلاف بين الأصوليّين والأخباريّين . ففي الوقت الذي يرى الأصولي حجّية الدليل القطعي مطلقاً ، يرى الأخباريّ حجّيته فيما إذا كان مستنده شرعيّاً لا عقليّاً .
فإن قيل اعتراضاً على الأخباري : كيف يمكن لك تجريد الدليل العقلي عن الحجّية مع الاعتراف بكونه قطعيّاً ، وهل هذا إلّا تفكيك بين اللازم والملزوم ؟ فإنّ ذلك سيكون من قبيل أن تقول : « هذه نار غير حارّة » ، إذ تقدّم في مباحث القطع أنّ الحجّية لازم ذاتيّ للقطع ولا يمكن سلبها عنه ، مع أنّ ما ذكره الأخباريّ يلزم منه سلب الحجّية عن القطع الطريقي ، والحال أنّها لازم له .
أمكنه الجواب على ذلك بالقول : إنّنا لا ندّعي تجريد القطع الطريقي عن الحجّية ليشكل علينا بما ذكر ، وإنّما نقول أنّ بالإمكان تحويله إلى قطع موضوعيّ ثمّ نفي الحجّية عنه ، وهو ما نقوم بتوضيحه من خلال المثال التالي :
لو قال الشارع : « إذا استطعت فيجب عليك الحجّ » ، فإنّ من الواضح أنّ قيد الاستطاعة قيد للوجوب المجعول ، وإلّا فالجعل متحقّق بنفس إرادة المولى ولحاظه الموضوع المقدّر الوجود كما أشرنا له سابقاً ، ومن ثمّ يكون وجود هذا القيد محقّقاً للوجوب المجعول كما أنّ انتفاءه يؤدّي إلى انتفائه - لأنّ المقيّد عدم عند عدم قيده - بالرغم من وجود الجعل وعلم المكلّف به .
إنّ هذا النحو من التقييد أمرٌ معقول ولا محذور فيه في الأحكام الشرعيّة ، وبإتضاحه نأتي إلى محلّ البحث ونقول : إنّ بإمكان الشارع أن يأخذ في موضوع الأحكام الشرعيّة قيداً ، وهو : « أن لا يكون العلم بجعلها من ناحية الدليل العقلي » أو : « أن يكون العلم بجعلها من ناحية الكتاب
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 255
مساهمون: علاء السالم
ص٢٥٥