تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣

أنّ الاعتبار والجعل - العنصر الثالث من عناصر مقام الثبوت للحكم - يتقدّمه أمران هما : المصلحة والإرادة في الوجوب ، والمفسدة والمبغوضيّة في الحرمة ، وهو ما يعبَّر عنه ب‍ « تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد » . وهذا يعني أنّ الشارع يأمر بالصلاة لأنّ فيها مصلحة ، لا أنّ أمره بها أوجد المصلحة فيها ، وينهى عن شرب الخمر لوجود مفسدة واقعيّة فيه ، لا أنّ نهيه عنه أوجد المفسدة فيه . الثاني : مسلك الأشاعرة الذي لا يرى وجود ملاكات وراء الأحكام ، فالصلاة قبل أمر الشارع بها ليس فيها مصلحة ، وبإمكان الشارع أن ينهى عنها وتصبح عندئذ ذات مفسدة ، ويأمر بشرب الخمر فيصبح ذا مصلحة . ولا يخفى أنّ الدليل العقلي قد قام على أنّه تعالى حكيم ومنزّه عن فعل العبث والجزاف والتشهّي ، ومن ثمّ يكون الحقّ مع المسلك الأوّل ، فهو تعالى لمّا رأى أنّ الصلاة موافقة لما قدّره هو من ملاكات ومصالح أوجبها ، ولمّا رأى أنّ شرب الخمر وأكل لحم الخنزير فيه من المفاسد ما فيه حرّمه ، بينما لا يكون الحال كذلك على المسلك الثاني . لا يقال : إنّ ذلك يستلزم تحديد قدرته ، وقد قام الدليل على أنّه قادر على كلّ شيء ويفعل ما يشاء ولا يفعل ما يشاء غيره . لأنّه يقال : إنّ صدور أفعال الحقّ تعالى على وجه الحكمة والقانون لا يضيّق من سعة قدرته ؛ لأنّ تلك القوانين مجعولة من قبله وهو الذي أرادها : * ( كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ) * ( 1 ) وليست مفروضة عليه ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً .

هامش
( 1 ) الأنعام : 12 .