معنى الاستقراء والقياس
المراد بالاستقراء في هذا البحث هو الاستقراء المنطقي وهو : ملاحظة مجموعة من الحالات الجزئية ودراستها ثمّ استنتاج قانون كلّي منها . فحقيقته تتلخّص في السير من الخاصّ إلى العامّ في عملية الاستنتاج والاستدلال ، كما لو لاحظ الإنسان أنّ قطعة الحديد التي أمامه تتمدّد بالحرارة ، ثمّ نظر إلى قطعة حديد أخرى ووجد أنّها تتمدّد بالحرارة أيضاً ، وهكذا الحال في قطعة الحديد الثالثة والرابعة والمئة مثلاً ، فإنّها جميعاً تتمدّد بالحرارة بالرغم من اختلاف حجمها وأزمنتها و . . . ، ففي مثل هذه الحالة يمكنه أن يستنتج قانوناً عامّاً مفاده : « كلّ حديد يتمدّد بالحرارة » ، وهذا السير في الاستدلال من الخاصّ إلى العامّ هو المسمّى بالاستقراء .
إلّا أنّ المشكلة التي تواجه الاستقراء هي : كيف يمكن استنتاج قانون كلّي من خلال ملاحظة واستقراء حالات معدودة . فمثلاً : لو أردنا إعطاء قانون كلّي بأنّ « كلّ من يقطع رأسه يموت » من خلال ملاحظة عشرة حالات ، تبقى في الاستدلال ثغرة وهي الطفرة من الخاصّ إلى العامّ .
وهذه المشكلة واجهت الفكر الغربي الذي يعتمد التجربة منهجاً وحيداً في الحصول على اليقين ؛ إذ بناءً على ذلك كيف يمكن أن يعطوا قوانين كلّية يقينيّة مع أنّهم أجروا التجربة على حالات محدودة وإستقرؤوا عدداً معيّناً منها ؟ بينما يكون أصحاب القياس الأرسطي والمنهج العقلي في غنىً عن ذلك ؛ لأنّ سير الاستدلال في القياس يكون من العامّ إلى الخاصّ فيُقال :
- زيد إنسان ( صغرى ) .
- وكلّ إنسان إذا قطع رأسه يموت ( كبرى ) .
- فينتج : زيد إذا قطع رأسه يموت .